بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

"ناتاشا كامبوش".. طفولة مغتصبة ومرض متلازمة استوكهولم





بتاريخ 2 مارس 1998 خرجت ناتاشا كامبوش (Natascha Kampusch) ذات العشر سنوات من منزلها بالعاصمة النمساوية فيينا متجهة الى مدرستها لكنها لم تعد. جرى بحث واسع للعثور على ناتاشا لكن بدون نتيجة و أكد شاهد عيان ، وهو طفل في الثانية عشرة من العمر ، بأنه شاهد رجل يدفع بطفلة تشبه ناتاشا إلى سيارة عربة بيضاء. وعلى ضوءه قامت الشرطة بتفتيش مئات السيارات بذات الوصف، من بينهم سيارة يملكه رجل يدعى "وولفغانغ بريكلوبيل" لكن دون الوصول إلى أي أثر لناتاشا.


الذي زاد من قلق السلطات النمساوية هو تأكدها انه كانت بحوزة ناتاشا جواز سفرها لحظة اختفاءها. وذلك بسبب مشاركتها قبل عدة أيام في رحلة مدرسية إلى هنغاريا، مما جعل عملية البحث عنها صعبا ومعقدا للغاية، مع ورود احتمال اختطافها إلى الدول المجاورة لأجل ممارسة إباحة الأطفال أو لسرقة الأعضاء. ووجهت أصابع الاتهام لأي شخص مشكوك في أمره مثل قاتل متسلسل فرنسي هارب. ولم تستبعد والدة ناتاشا من الشبهات، فقد وجهت اليها الشكوك بإحتمال تعاونها في التخطيط لجريمة الاختطاف هذه بسبب الخلافات العائلية المتكررة والناتجة من تفكك أسرتها.



أين الطفلة ناتاشا؟
أُختطفت ناتاشا من قبل رجل يدعى وولفغانغ بريكلوبيل (Wolfgang Priklopil) وكان يبلغ 36 من العمر وقت تنفيذ جريمته ويعمل مهندس للكمبيوتر. خطط وولفغانج لجريمته تلك منذ وقت طويل وبعد إتمامها قام باحتجاز ناتاشا في قبو بناه خصيصا لها ويقع تحت كاراج منزله مدخله مخفي خلف دولاب مساحته ضيقة جدا، ذات باب مصفح وعازل للصوت، ولا يحتوي على أية نوافذ. في بداية الستة الأشهر الأولى من اختطافها لم يكن مسموحا لها إطلاقا من مغادرة القبو مما أجبرت الشرطة بعد تفتيش واسع ومضني على الإعلان عن فشلها في إيجاد أية خيوط تدلهم على مصير ناتاشا وتوقف البحث عنها.



هروب الشابة ناتاشا
في ظهر 23 أغسطس من عام 2006 وبعد مرور ثمانية سنوات على اختفاء ناتاشا الشابة التي أصبحت في الثامنة عشرة من العمر ، أمر وولفغانج ناتاشا بتنظيف سيارته ال بي أم دبليو بحديقة المنزل بينما كان يراقبها عن قرب وكانت ناتاشا تنظف بواسطة المكنسة الكهربائية عندما رن هاتف وولفغانج النقال وتحدث قليلا لكنه لم يستطع السماع جيدا بسبب ارتفاع صوت المكنسة الكهربائية فدخل الى المنزل لكي يتمكن من السماع بوضوح ، تنبهت ناتاشا بانشغال مختطفها في حديث عميق مع المتصل فوجدت الفرصة الذهبية للهروب.


عادت ناتاشا بذاكرتها عندما كان وولفغانج يضربها بشدة حتى تعجز أحيانا عن المشي ثم يأخذ صور لها وعندما كان يهددها لكي لا تفكر في الهروب ويخيفها بأن المنزل مفخخ بالمتفجرات وانه يحمل مسدس وسوف يقتلها وسائر الجيران إن فكرت في الهرب. وبلمحة البصر ألقت ناتاشا بالمكنسة الكهربائية وفرَت هاربا عبر الحديقة إلى خارج المنزل ولمحت بعض المشاة وترجتهم بالاتصال بالشرطة محاولة مع سرعة نبضات قلبها بالكشف عن هويتها لكنهم لم يعروا أي اهتمام لها فهرعت مسرعة إلى نافذة لمنزل امرأة عجوز في 71 من العمر وأبلغتها عن هويتها وقامت العجوز بالاتصال بالشرطة التي حضرت سريعا إلى الموقع لاستلامها وهي غير مصدقة. بدت ناتاشا هزيلة وخائفة لكن بصحة جيدة وتم التأكد عن هويتها من خلال علامة في جسدها ولاحقا من جواز سفرها المفقود في القبو الذي سجنت فيه وأيضا من فحوصات DNA التي أجريت لها.



نهاية مجرم
فور أن تأكد وولفغانج بحقيقة هروب ناتاشا توجه مباشرة إلى محطة للقطار بالمنطقة المجاورة ورمى بنفسه منتحرا أمام عجلات القطار السريع. قامت السلطات المختصة في النمسا بعزل ناتاشا عن والديها المنفصلين بعد أن رفضت مقابلتهما مباشرة بعد هروبها، ووُضعت من قبل السلطات تحت رعاية طبيب نفسي متخصص للإشراف على علاجها النفسي، وعلى تأهيلها للتأقلم مع حياتها الجديدة. انهارت ناتاشا فور علمها بخبر انتحار مختطفها، وصرحت في بيان تلاه باسمها طبيبها النفسي للصحفيين بشأن محتجزها وولفغانغ بريكلوبيل (44 عاما)، " بأنه كان جزءا من حياتي لذلك فانا نوعا ما في حالة حداد عليه" كما صرحت "لا أشعر أن شيئا قد فاتني.. صحيح أن شبابي كان مختلفا عن الآخرين ولكني أيضا تجنبت الكثير من الأشياء فأنا لم أبدأ التدخين أو شرب الكحوليات كما لم أتعرف على صحبة سيئة" كما رفضت رفضا تاما مناقشة العلاقة الحميمية التي كانت بينهما و أعلن طبيبها النفسي بأن ناتاشا تعاني من أعراض "مرض متزامنة استوكهولم".



الضحية وصاحبة قضية
من الطبيعي أن تستقبل ناتاشا مئات العروض من أجل إجراء مختلف المقابلات الصحفية والتليفزيونية وبأسعار خيالية، لكنها رفضتها جميعهم وذلك بسبب عدم جاهزيتها. لكنها وافقت في النهاية على إجراء مقابلة تليفزيونية مجانية واحدة بإحدى القنوات المحلية، بشرط أن يتم التبرع بالمبلغ المرصود إلى النساء والأطفال ضحايا لجرائم مشابهة بأفريقيا والمكسيك عن طريق دعم البرامج الخاصة لتأهيلهن ومساعدتهن في مواجهة الحياة. وقد تم حصد مئات الألوف من الدولارات بعد أن تم بيع المقابلة إلى 120 دولة. كما أعلنت ناتاشا بأنها لا تأخذ صورا تذكارية أو توقع على الأوتوجرافات لأنها ليست بالسوبر ستار.



الدولة والمجتمع يدا واحدا من أجل ناتاشا
تكاتف المجتمع النمساوي بجميع فئاته من أجل مساعدة ناتاشا وقدم الدعم والمؤازرة حتى تمر بمحنتها بسلام ، فقد قامت صحيفة متعاونة مع مجلة محلية بإجراء مقابلة صحفية مع ناتاشا مقابل تحمل جميع تكاليف دراستها ومن ثم توفير الوظيفة لها و أيضا في شراء منزل مستقل لها والمنزل الذي احتجزت بها. كما تم فتح حساب بنكي خاص باسمها وقام بالتبرع آلاف من مواطنيها ولاحقا أصبح لناتاشا برنامج حواري خاص بها وعينت كمتحدثة رسمية لحقوق الحيوان.



ناتاشا والسياسة
هددت الحكومة النمساوية الحزب المحافظ وهو الحزب الشعبي بقطع اتفاقية الائتلاف المبرمة بينهما إذا لم يضع الأخير حدا لتصريحات ناتاشا التي تنتقد فيها الحكومة النمساوية بشدة ممثلة بوزارة الداخلية حول فقدها الأمل بقيام العدل بالنمسا ومعاقبة المسئولين عن الأخطاء المتعلقة بالبحث والتحري حول اختطافها موضحة فشل الإجراءات المتبعة أثناء تنفيذ عملية التفتيش لمئات السيارات العربة البيضاء وكان أحدها سيارة مختطفها بسبب عدم الاستعانة بكلاب التفتيش المدربة والذي أدى إلى هدر الفرصة لوضع حدا لمعاناتها وبقاءها مختطفة لثمانية سنوات كاملة.



أعراض مرض متلازمة استوكهولم (Stockholm syndrome)
هي حالة نفسية تصيب غالبا الأشخاص الذين تم اختطافهم وتظهر عليهم أعراض هذا المرض عندما تبدي الضحايا تعاطفا كبيرا وملحوظا حول خاطفيهم رغم التعذيب و المخاطر والظلم الذي تعرضون اليه. وأحيانا يقع ضحايا الحالات المتقدمة في حب عمياء تجاه من ظلمهم وقد ينظمون إلى أنشطتهم الإجرامية سواء كانت عصابات أو جماعات أو أفراد ويقومون بالدفاع عنهم وعن قضاياهم بطريقة مستميتة. وتم ضم مصطلح مرض متلازمة استوكهولم في التحقيقات الجنائية بعد اكتشافه في عام 1973 في حادثة سرقة بنك من قبل عصابة بمدينة استوكهولم وأُخذ موظفي البنك كرهائن لمدة أسبوع وبعد الإفراج عنهم تعاطف هؤلاء الرهائن مع المختطفين وقاموا بالدفاع عنهم.



مرض لكل الشعوب العربية
ولقد بلغنا يا سادة يا كرام باحتمال إصابة الشعوب العربية بأكملها بأعراض مرض متلازمة استوكهولم ، فتارة تجدها تعشق حكامها وان كانوا دكتاتوريين ، وتارة تُقبِل أيادي سُجًانها وان كانوا ظالمين ، فهل هناك أعراض لمرض متلازمة استوكهولم بين الشعب العُماني؟


حبيبة الهنائي



تم نشر الموضوع بمنتدى الحارة العمانية بتاريخ:  27/12/2009

الرابط للموضوع:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق