بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 20 أكتوبر 2013

الإستدعاء الناعم


الإثنين 8 ابريل 2013
الساعة (08:15) صباحا


"حافظ .. يا حافظ انهض يا ماما .. أنا ذاهبة الآن" ، كان حافظ يغط في نومه وهو يختم آخر يوم له من إجازة الربيع المدرسية. همستُ في أذنه بصوت خافت: سأترك لك هاتفي النقال هنا ولا تنسى ما قلته لك مساء الأمس بعدم الرد على أي متصل باستثناء لو كان أحد أفراد الأسرة". فتح حافظ عينيه بتثاقل وكسل شديد، و أخذ يتأملني كالتائه وكأنه قد عاد للتو من عالم بعيد بعيد، وحرك جسده بخمول، وبعد تركيز طفيف بدا لي وكأنه قد نجح  في إستعادة محادثتنا معا التي جرت مساء الأمس، وربما تذكّر وصيّتي له بأن يكون قويا وأن لا يقلق في حال لم أعد من القسم الخاص الذي سأتوجه إليه الآن، بعد أن تلقيت مكالمة هاتفية بالأمس واستدعائي للذهاب اليهم صباح اليوم للتحقيق. وبحركة فجائية نهض من فراشه وتحدث معي وكأننا لا زلنا نكمل حوارنا منذ مساء الأمس: نعم يا ماما فهمت سأستيقظ الآن لكي أودعك. فخرج من سريره واحتضنني وهو يدعّي الجَلد والتماسك وكأنه حَدثٌ عابر وعادي وقبّلته على جبينه ثم قلت له: لا تنسى أن تأخذ حقيبة يدي إلى منزل خالتي، وابق هناك في حال لم أعد، فغداً لديك مدرسة ولقد رتبتُ لك كل مستلزماتك المدرسية التي ستحتاجها.


سحبت حقيبتي بعد أن وضعت فيها بعض احتياجاتي الضرورية التي قد أحتاجها لعدة أيام في حال تم احتجازي هناك، ووضعت جواز سفري مع بطاقتي الشخصية في حقيبة منفصلة تنفيذا لأوامرهم بإصطحاب أوراقي الثبوتية معي، وقمت بتفريغ كل ما في محفظتي من نقود (12 ريال)، ووجدت بعض الكتب على الطاولة، اثنان منهما سلمني إياهما الكاتب والباحث سعيد الهاشمي مساء الأمس في جلسة "القراءة نور وبصيرة" التي احتفت بالكاتب "سليمان المعمري" وبرنامجه الإذاعي (كتاب أعجبني).


وضعت الكتابين مع اثنين آخرين في حقيبتي مع علبة صغيرة تحتوي على حبوب للغدة الدرقية، وبعد فتحها وجدت أن الكمية المتبقية لن تكفيني سوى لعدة أيام قليلة، وتذكرت ما حدث خلال فترة اعتقالي بالصيف الماضي وبالتحديد بتاريخ 31 مايو 2012 بمنطقة إمتياز بصحراء فهود مع زميلين أخرين وهما الناشط "إسماعيل المقبالي" والمحامي "يعقوب الخروصي"، وذلك أثناء تغطيتنا لإضراب عمال النفط، وكيف أني لم أكن أحمل دوائي معي مما أضطر مكتب جهاز الأمن الداخلي بنقلي إلى مستشفى الشرطة للمراجعة، وذلك لأجل إعتماد طبيب مختص لحالتي الصحية ووصف الحبوب لي بعد الإنقطاع عن أخذها لفترة ثلاثة أيام كاملة. سحبت حقيبتي التي كانت رفيقتي لكثير من سفراتي إلى خارج البلاد وتوجهت ناحية عتبة الباب لكن هذه المرة لم أكن أجرها بلهفة وقلق خوفا من أن تفوتني الطائرة، بل كنت أجرها بتثاقل شديد وكان ينتابني إحساس طفلِ في سنته الأولى من المرحلة الإبتدائية لحظة نقله رغما عنه بعيدا عن أسرته التي يحبها للإقامة في سكن داخلي يمقته.


اقتربت من سيارتي وفتح "حافظ" نافذة البيت ولوّح لي بيده بحركة بطيئة من مكانه وبدت تعابير القلق جلية بمحياه، فهذه ليست المرة الأولى التي يضطر فيها بمواجهة مثل هكذا موقف عصيب. حملت حقيبتي ووضعتها بداخل السيارة ورميت له بقبلة في الهواء، وفعل هو بالمثل ولوّح لي مرة أخرى وأنا أخرج بسيارتي مودّعا. وبدوت حينها كالمسافر الوافد لحظة ترحيله رغما عنه عائدا الى بلاده، وهو لا يعلم بأي وجه يقابل به والدته المريضة وصغاره الجوعى وهو عائد إليهم وجيوبُه خاوية، كيف لا وحقيبتي بجواري وجواز سفري بحوزتي !


توقفت بأقرب صيدلية وأخذت علبة جديدة من حبوب (الثايروكسين) الخاصة بمرضى الغدة الدرقية ومن ثم توجهت ناحية منطقة القرم .. كانت الرؤية ضبابية بسبب عاصفة من الغبار التي عبرت الأجواء قبله بيوم واحد، صاحبها رذاذ خفيف. تأملت ساعتي التي تجاوزت الثامنة والنصف صباحا وقلت في سري " لا بأس لو تأخرت قليلا لأني أتوقع الإنتظار هناك طويلا قبل البدء في التحقيق". انحرفت يمينا عن طريق جسر (القرم - دارسيت) ونزلت إلى دوار حديقة القرم الطبيعية، وكان البال لا يزال مشغولا ومشتتا. تذكرت كيف أنني مساء الأمس نسيت المفتاح مع الإضاءة والمذياع مفتوحا داخل السيارة، بعد أن نزلت مع "حافظ" منها وتوجهنا إلى جلسة "القراءة .. نور وبصيرة" وبقيت هناك لفترة تزيد عن الساعة والنصف، وبعد إنتهاء الجلسة بحثت عن مفتاح السيارة طويلا إلى أن انتبه "حافظ" بعد وهلة بأنه لا يزال مشغول بداخل السيارة، وهذه سابقة لم تحدث معي من قبل! عندها أفقت من سرحاني ووجدت نفسي ألّف في الدوار وأتجه ناحية حديقة القرم الطبيعية بدلا من أن أنعطف بإتجاه اليمين حيث مقر القيادة العامة للشرطة، تأملت أمامي من سماء حديقة القرم الطبيعية الى ذلك المجسم الدائري الضخم للعبة الكراسي المعلقة وبدا لي حجمه بنفس حجم دوار القرم الضخم الواقع تحت الجسر المؤدي الى منطقة دار سيت. أكملت الدوران 360 درجة وعدت الى المسار الصحيح وفجأة وجدت نفسي أسوق في ذلك الشارع القصير الذي يفصل منطقة القرم بجهتين متناقضتين تماما. فهناك من ناحية اليسار موقع سوق القرم أو بما يُعرف بمنطقة سابكو بمحلاتها الزاهية ومجوهراتها الثمينة والذهب الأصفر البراق الذي يتدلى عبر نوافذها السميكة المانعة للرصاص ومقاهيها المكتظة بالناس بحيث تعلو ضحكات مرتاديها حتى تصل الى جهة اليمين من الشارع وهو مقر القيادة العامة للشرطة بسجونها السرية الضيقة ذات الإضاءة القوية وبمكبرات صوتها العالية وبتكييفها المتجمد وغرف تحقيقها الزرقاء، والموقوفين داخل زنازينها الصغيرة بحيث تعجز أصوات أنينهم اختراق جدرانها السميكة المانعة للصوت أيضا!


اقتربت من البوابة الأمنية فأبطأت السرعة، و أنزلت زجاج النافذة وألقيت تحية لشرطي البوابة:

-        السلام عليكم، اسمي حبيبة الهنائي لدي الآن موعد بالقسم الخاص

-        هل تِندَلّين المكان؟

-        نعم أندلّه

-        طيب تفضلي

لم أتوقع السماح لي بالدخول هكذا و بكل سهولة، انعطفت بإتجاه يسار البوابة فوجدتُ جميع مواقف السيارات محجوزة فركنت سيارتي على رصيف مرتفع وحينها اتصلت بالزميل مختار الهنائي: "مرحبا سأدخل الآن وسوف أغلق هذا الهاتف .. مع السلامة". أغلقت الهاتف وتركته جانبا ثم نزلت من السيارة وتركت الحقيبة الخاصة بمستلزماتي الشخصية هناك. توجهت ناحية بوابة القسم الخاص، لمحت عن بعد ثلاث رجال يتحدثون خارج المدخل ويقهقهون، وعندما اقتربت منهم رددت: السلام عليكم. فنظروا ناحيتي وهم يجيبون: وعليكم السلام. يا الهي احدهم كان ذلك الضابط الذي اعتقلنا في صحراء فهود بشنبه الكثيف، والذي قام بأخذ بياناتي وتصويري أمام سيارتي وتكرار طلبه الغريب بينما هو يصورني بأن أمسك بيدٍ البيانات التي أخذتها من عند عمال النفط وباليد الأخرى أن أشير بأصبعي الإبهام بإشارة الإعجاب، ولم أفهم حتى الآن المغزى من وراء تصويري بذلك الشكل المهين! تأملني بعض الشئ بينما كنت أمشي بإتجاه مدخل المبنى ذات الباب الدائري، وحينها شعرت بإنزعاج فانتابني إحساس قوي بأن تواجده هناك لم يكن مصادفة، إنما لأجل استلامي ونقلي للسجن! توجهت الى موظف الإستقبال وأبلغته بإسمي وبأنه تم استدعائي وطلب مني التوجه الى قاعة الإنتظار.


جلست بداخل المكتب الخالي واخترت مقعدا مواجهاً لمدخل الباب وكانت الساعة تشير الى التاسعة الا ربع صباحا. فتحت حقيبتي وكانت بها اربع كتب: رواية "الذي لا يحب جمال عبد الناصر" لـ "سليمان المعمري" و قصص "الإشارة برتقالية الآن" لـ "هدى حمد" و قصائد "موسيقى الشمس أغاني الجنة" لـ "إبراهيم سعيد" و قصص "ما لاذ بالحلم" لـ "ناصر صالح". فقلت في سري أريد كتابا مبهجا لكي يخرجني من حالة التوتر التي تنتابني الآن و يخفف عني الشعور بالقلق، حسنا سأقرأ قصائد الشاعر "إبراهيم سعيد". أخرجت الكتاب الذي سلمني اياه الكاتب سعيد الهاشمي بمساء الأمس أثناء جلسة القراءة الثقافية وفتحت الغلاف فوجدت إهداء من الشاعر "إبراهيم سعيد":

إلى حبيبة الهنائي
مع كل الود
أتمنى أن يعجبك اللحن والكلمات.
مع الوداد
إبراهيم سعيد



حسنا ربما هذا الكتاب سوف يرفه عني قليلا. قلبت الصفحات الأولى .. الجزء الأول: (موسيقـى الشمـس .. كتاب الصباح) ومن ثم قرأت عنوان القصيدة الأولى: (لســان الصبــاح) .. تبسمت قليلا وتمتمت: ويا له من صباح!
وبدأت بقراءة قصيدة "لسان الصباح" وتوقفت هنا:

صباحٌ يا قلبَ النخلة إني أسمعك،
صباحٌ يا قلبَ الشمسِ إنّي أراك،
صباحٌ يا طرف خدّ الزمن إنّي أُقبِّلُك.


تمعنت في القراءة لوهلة ، حتى بدأ شيء من النعاس يتسلل الى عينّي، تأملت ساعة المكتب وجدتها متجمدة عند الساعة التاسعة وأربعين دقيقة، فنظرت الى ساعتي التي كانت تقترب من العاشرة صباحا، خلعت نظارة القراءة وركنتها جانبا، أغلقت الكتاب ووقفت قليلا وبدأت بفرد يدي، ومشيتُ داخل المكتب ذهابا وإيابا لفترة ما حتى شعرت بالإنتعاش. عدت الى الجلوس بنفس تلك الزاوية من المقعد المواجه لباب المكتب ثم بدأت بمواصلة القراءة:

جئت بصدماتٍ كهربائية في أسلاك الكلمات كي تبكي العيون
من شدة الأمل، ويتزايد المفتونون المصابونَ بزارِ السعادة،
حتى يتكاثر المدنفون في العشق الذين ينثنون من آلآم الحب المبرحة.


وفجأة فُتح الباب وقيل لي: تفضلي.



حبيبة الهنائي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق