بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 24 ديسمبر، 2013

حرائر الربيع (٣): بشرى العامري



جاء لقائي الثالث من سلسلة “حرائر الربيع” في القاهرة وذلك أثناء مشاركتنا في ورشة عمل حول رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والتي نظمتها الأمم المتحدة وفي شهر ديسمبر من العام 2013.
ولقد تشرفت خلال هذه المشاركة بالتعرف على بعض القيادات النسوية العاملة في مجال حقوق الإنسان، والذي كان من ضمنهن الإعلامية اليمنية بشرى العامري، وهي امرأة تتسم بكل السمات التي يتصف بها جميع المدافعين عن حقوق الإنسان كالبساطة والتواضع والتفاني في خدمة الآخرين، بالإضافة الى كونها زوجة وأم  لثلاثة أولاد مما يضاعف من حماسها ورغبتها في التغيير الى حياة أفضل لأجل ضمان مستقبل مشرق لها ولأبنائها ولكل الأجيال القادمة .
عرفينا بنفسك ؟
اسمي بشرى العامري، صحفية يمنية ، أعمل في مجال الصحافة منذ عام 2000  وحاليا أعمل كمسؤولة إعلامية في مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان.
متى بدأتِ عملك في مجال حقوق الإنسان ؟
في السابق ومن خلال عملي الصحفي كان نشاطي يقتصر على رصد مختلف القضايا الحقوقية والكتابة عنها ثم نشرها، لكن ومنذ عام 2009 بدأ عملي الفعلي في المجال الحقوقي وذلك بعد أن وصلت الى قناعة تامة بأن الحالات الإنسانية تحتاج الى أكثر من مجرد الكتابة عنها ونشرها وأنه يتطلب متابعتها والسعي لأجل إحداث التغيير فيها وذلك من خلال دفع المجتمع للمشاركة بهدف إيجاد الحلول المناسبة لها، وبالتالي بدأت بالانخراط في منظمات المجتمع المدني والتعاون معها وقمت ببناء علاقات جيدة، والتشابك مع الإعلاميين بهذه المنظمات وتبني قضاياهم والقيام بنشرها إعلاميا والخروج معهم في المسيرات والوقفات الاحتجاجية وحشد الناس لها.
ما رأيك في ثورة اليمن التي تزامنت مع قيام ثورات الربيع العربي ؟
في البداية كانت ثورة الربيع العربي في اليمن هي ثورة نقية، حيث خرج الشعب محتج على وضع بائس يعيشه، وفسادا كبيرا جدا يمارس من قِبل النظام ومن معه. لكن ما حدث للأسف هو أنه وبعد خروج الشباب للثورة أعلن البعض من منظومات الفساد وبقايا النظام السابق انضمامه للثورة، وركب هؤلاء على موجة الثورة مما تسبب في انتكاسة الثورة وتغيير خارطة الوضع الذي كان من الممكن أن يكون فيه فيما لو نجحت ثورة الشباب في حال استمرارها مثل ماهي ومن دون تدخل من الأحزاب السياسية ومن دون تدخل من القيادات التي كانت محسوبة على النظام السابق.
وماذا كان دور المرأة اليمنية خلال هذه الثورة ؟
المرأة اليمنية كانت حالة نادرة في الثورة اليمنية. المرأة اليمنية قادت الثورة اليمنية وكانت في الصفوف الأولى وهي من دفعت الشباب للخروج والمطالبة بالحق أو قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر. خرجت مئات الآلاف من النساء اللاتي وقفن في وجه الشرطة ووقفن في وجه الجيش ووقفن في وجه “البلطجية” أو المعتدين على الشباب، وأحيانا كثيرة كانت المرأة اليمنية حاضرة وبشجاعة في خط الدفاع الأول معتمدة على قوة العادات والتقاليد في المجتمع اليمني لصالحها وعلى ثقافة العيب في الاعتداء على المرأة.
كانت المرأة اليمنية هي من تقود المسيرات مما أدى الى سقوط الكثير من الضحايا، فهناك الجريحات من النساء وعدد كبير من الشهيدات. كما أن هناك العديد من النساء اللاتي قمن بالدور التقليدي مثل الإسعافات الأولية وتوفير الطعام واللباس للشباب وذلك أثناء فترة اعتصامهم في المسيرات.
وهل تم تقدير المرأة اليمنية بعد كل هذه التضحيات التي قدمتها أثناء الثورة ؟
بكل تأكيد لا.
لقد تفاجأنا لاحقا من أن بعض الأحزاب التي استعانت بالمرأة كخط أول في إقامة الثورة انها تريد إعادتها الى البيت من جديد! لكن المرأة اليمنية استبقت الأحداث واستطاعت خلال الثورة أن تضع شروطها عند بناء اليمن الجديد وفي وضع الخريطة السياسية الجديدة وأن تطالب بتحديد ما نسبته (30%) كحق أو باستخدام نظام (الكوتا) للمشاركة في رسم الخريطة السياسية القادمة وتقلد المناصب السياسية والاجتماعية.
هناك سعي من القيادات السياسية التي كانت هي الدافع الأول لخروج المرأة أيام الثورة، لإعادتها الى المربع الأول التي كانت فيه قبل الثورة أو الى مربع أقدم أيضا وبالذات تلك الجماعات التقليدية أو المتشددة دينيا.
المرأة اليمنية اليوم تناضل من أجل الحصول على نسبة (30%) كخطوة أولى ثم الوصول الى نسبة (50%)  من المشاركة السياسية والاجتماعية. ولقد استطاعت في مؤتمر الحوار الوطني أن تصل الى نسبة (29%)، كما ترأست المرأة بعض اللجان الموجودة فيه بل وشكلّت الأغلبية في بعض اللجان. والمرأة في اليمن تواجه اليوم معركة أخرى وهي أن تكون موجودة في صياغة الدستور بنسبة (30%) لكي تستطيع تمرير القوانين التي تخدم المرأة في الدستور القادم، وأيضا أن تتواجد بما لا يقل عن نسبة (30%) في البرلمان وفي مجلس الشورى وفي التكوينات السياسية والتكوينات الحكومية القادمة.
وهل تتفقين مع ما يُشاع أنه تم استغلال المرأة في الثورات العربية من خلال دعوتها للخروج ودفعها الى الخط الأمامي ولاحقا تم إقصائها عند جني الثمار ؟
نعم أتفق جدا.
هذا المشهد يتكرر كثيرا عندنا في اليمن وخصوصا في وقت الانتخابات حيث تُحشد الحشود كلها من أجل أن تخرج المرأة كصوت وناخب وليست كمرشح وتُدفع المرأة للتصويت في صناديق الانتخابات ولكن لا تُدعم كمرشحة. وبالتالي وفي أيام ثورات الربيع العربي خرجت المرأة اليمنية ودُعمت بشكل قوي من قبل الأحزاب المتشددة وحتى من قبل التيارات الدينية حين أخرجوا النساء بالآلاف لمناصرة قضيتهم ولمناصرة الثورة لكن حينما جاء وقت التقاسم ووقت المحاصصة كان الجميع يطالب بعودتها للوراء.
حدثينا عن قضية الطفلة اليمنية (روان) وهي قضية مثيرة للجدل بحيث أشيع خبر وفاتها في ليلة دخلتها ومن ثم تم نفي هذا الخبر؟
القضية أو القصة كما وصلتنا نحن في منظمات المجتمع المدني هي ان هناك طفلة من قرية نائية اسمها (الحُدَيدة) قد توفيت في ليلة دخلتها، والحديدة هي قرية تتبع منطقة (حَجّة)، وحَجّة هي محافظة كبيرة تتبعها قرى كثيرة وهي منطقة نائية ومنعزلة تماما بحكم أنها على الحدود السعودية وتفتقد الى الكثير من الخدمات ولكن وللأسف  لم نستطع الحصول على شهادة ميلاد للطفلة ولم نستطع الحصول على أية اوراق رسمية باسمها.
ما حصل هو وجود صحفي في تلك المنطقة بالصدفة ورصد الحالة، وتحدث عن أن هناك طفلة ماتت بعد تزويجها في سن مبكرة ولقد أخذ ذلك الصحفي أقوال صديقة الطفلة المتوفاة (روان) والتي أكدت من ناحيتها بأنه كانت لديها صديقة لها وأعطت اسمها ومواصفاتها وبأنها ماتت بعد تزويجها .
وهل يُفهم من هذا بأن أسرة الطفلة (روان) تكتمت عن حقيقة الخبر المُعلن عن وفاتها ؟
في البداية كان هناك اعتراف مجتمعي بالقضية، لكن ما حدث هو أن هذه القضية ظهرت في الوقت الذي كان فيه المجتمع المدني يشتغل وبقوة بالمؤتمر الحواري الجاري الآن في اليمن للعمل على إيجاد قانون تحديد سن الزواج للفتيات وذلك حين بلوغهن سن الثامنة عشرة. حاليا القانون اليمني لا يحدد سن الزواج وعليه بإمكان الأب تزويج ابنته حتى وإن كانت تبلغ يوم واحد فقط ويستطيع استخراج عقد زواج رسمي لها، ولقد حدثت قضايا كثيرة من هذا النوع. وبالتالي شعرت التيارات الدينية المتشددة التي تعارض تحديد سن الزواج للبنات خصوصا مع وجود قضايا كثيرة مشابهة سابقة أن يتم تحديد سن الزواج بالقانون، وعندما تبنت منظمات المجتمع المدني القضية خلقت حالة من الوعي المجتمعي بالإضافة الى الضغوطات الدولية مما مكنها من المطالبة بشدة بتحديد سن الزواج، الا أن تلك التيارات الرافضة لتحديد سن الزواج خافت بأن تكون قصة هذه الفتاة هي الفيصل الذي سيحدد سن الزواج أو سيغير مجرى مؤتمر الحوار لصالح تحديد سن الزواج فتم التلاعب بالقضية بكل قوة.
وكيف استطاعوا فعل ذلك ؟
 في البداية كل المؤشرات والإثباتات تتحدث عن وجود طفلة تم تزويجها في سن مبكر وأنها ماتت أثناء دخول زوجها عليها وتم دفنها. لاحقا تم التستر على هذه القضية رغم وجود اعترافات أولية أهمها اعتراف المحافظ. وحدث ذلك عندما نزلت مؤسسات المجتمع المدني لإثبات هذه القضية فتم تمييعها تماما من قِبل أعلى السلطات من داخل المحافظة بحيث تم استخراج شهادة ميلاد بديلة للطفلة المتوفاة وتم إحضار فتاة بديلة من أقاربها، وقيل لنا بأنها أختها التي كانت تعيش في دار لرعاية الأيتام أو دار لإيواء الفتيات، ويبدو أنه تم ممارسة الضغط على أسرتها وعلى أهل منطقتها وتم الإعلان بأن روان التي تبحثون عنها على قيد الحياة ولم يمسها أي مكروه، رغم انه في وقت سابق تم استخراج شهادة وفاة رسمية للطفلة روان ولكن تم الطعن فيها والتشكيك بمصداقيتها، وحتى شهادة صديقتها التي تم تصويرها وهي تعلن وفاة روان تم ممارسة الضغط عليها وتكذيبها وفي النهاية تم لف هذه القضية بطريقة غامضة.
وما مصير قضية الطفلة روان ؟
القضية ألغيت تماما لأن كل منظمات المجتمع المدني التي توجهت الى المنطقة فشلت في الحصول على إقرار أو إيجاد دليل ثابت وقوي أمام السلطات المحلية الموجودة  لإثبات القضية.
برأيك من هي الجهة المسؤولة عن مثل هذه الممارسات ؟
للأسف أصبح الوضع عندنا مقلق للغاية، ومن الملاحظ أنه عندما تظهر قضية إنسانية يتم تسييسها إلى أن تأخذ بُعدا كبير جدا، هذا في حال ما أرادوا لها الساسة الوصول الى هدف معين يخدمهم، أما اذا كانت القضية تضرهم فيتم تمييعها بأكثر من طريقة، منها تلفيق بعض الأحداث المغلوطة أو تبرير أخطاء بأخطاء أخرى حتى تضيع القضية تماما.
يتم تمييع القضايا في حال لم يرغبوا بأن يكون لها صدى في المجتمع أو التي تهدف الي تغيير سياسة ما هم ينتهجونها، لدرجة أنه أصبحت الآن أي قضية إنسانية نشتغل عليها يتم  تمييعها بأكثر من سبب حتى تفقد الزخم في الدفاع عنها .
وماذا عن قضية نجلاء الحكمي ؟
نجلاء الحكمي هي فتاة أتت من إحدى أرياف محافظة (إب) وهي تسكن في منزل بعيد عن التكتلات السكانية. وفي يوم وقوع الحادث جاء ابن شيخ وهو ابن قبيلة معروفة لديهم واستغل فرصة وجود نجلاء بمفردها في المنزل وأراد اغتصابها وذلك عندما بدأ باقتحام البيت لتيقنه بعدم وجود أي منزل بالجوار وبالتالي لن يأتي أحد لمساعدتها . وعندما لمحت نجلاء الشاب وهو يتسلق المنزل للهجوم عليها لم يكن أمامها سوى خيارين إما أن تسلّم نفسها له، أو أن تدافع عن نفسها وعن شرفها.
ولأنها تعيش في بيئة تكون فيها المرأة اليمنية مدربة على استخدام السلاح كما أن السلاح موجود في كل بيت، أخذت نجلاء السلاح وأطلقت عليه النار وقتلته. تم القبض عليها ونقلت الى السجن وللأسف الشديد تم أيضا تمييع هذه القضية وطمس بعض الأدلة بحيث تحولت القضية من الدفاع عن الشرف الى القتل العمد ومع وجود القوة المجتمعية لأهل الشاب القتيل قامت الأسرة باتهامها بأنها كانت على علاقة معه ومن ثم قتلته أو أنه كان يمشي فقط بجوار المنزل وأنها قتلته لأسباب غامضة، وثم أصدر القضاء حكما ضدها بالإعدام.
ولكن ومع تفاعل مؤسسات المجتمع المدني وتبنيها لهذه القضية تشّكل نوع من الضغط المجتمعي على الحكومة والقاضي الذي يتابع مجريات القضية ومحامي الدفاع، مما ساهم في خلق جوا من المناصرة لها بعد أن علم الناس بأن هناك فتاة سوف تُعدم بسبب دفاعها عن شرفها وعليه تم إيقاف حكم الإعدام، لكن نجلاء مازالت حتى اليوم قابعة في السجن بما يقارب على العام وهي بين كل فترة وأخرى تُعرض على المحاكمة وقد تواجه حكما بالإعدام مجددا وقد يكون حكما أخيرا، والآن تشتغل منظمات المجتمع المدني جاهدة لكي تخرج نجلاء من السجن بحكم البراءة .
وما دورك أنتِ في خدمة هذه القضية ؟
لقد ساهمت بتنظيم بعض الحملات المناصرة لها عبر تسيير مسيرات ووقفات احتجاجية أمام رئاسة الوزراء ووقفة أخرى أمام النائب العام ووقفة أمام رئاسة الجمهورية بحكم أن رئيس الجمهورية وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء وطالبنا بإعادة النظر في قضية نجلاء كما قمنا بعمل تشابك فيما بيننا وبين بقية المنظمات الأخرى المهتمة بهذه القضية .
ما هي رسالتك الأخيرة للمرأة العربية المدافعة عن حقوق الإنسان ؟
رسالتي لها بأن لا تستسلم مهما كانت الصعاب ومهما كانت التحديات لأن مشوارنا طويل جدا ويحتاج الى نَفَس أطول للاستمرار، وما حققناه وما حققته السابقات يحتاج منا الى دفعة أقوى لنحقق شيء أكبر للنساء القادمات في المستقبل.
إنتهى.
أجرت الحوار: حبيبة الهنائي
القاهرة 10 ديسمبر 2013


تم نشر هذا اللقاء في مجلة الفلق الالكترونية:

روابط خارجية :
رساله الطفلة اليمنيه التى رفضت أن تكون ضحية للزواج المبكر -Nada Al-Ahdal
محافظ حجة يعلن أن الطفلة روان لم تتزوج ومازالت حية ترزق:
الطفلة روان التي قيل انها ماتت على فراش الزوجية تظهر للجميع في حرض حية ترزق:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق