بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 26 يوليو، 2015

تأبينة سعيد الهاشمي لـ علي الزويدي

عصيٌ أنت على الغياب يا عليّ
 


هو الموتُ إذن يا عليْ!
لكنها حتماً ليستْ النهاية.
 نعم ليست النهاية.
وأيُّ نهايةٍ تلكَ التي يمكنُ أن نتخيلَها للغيمِ، لاْنسيابِ الماءِ من نبعهِ الجبليِّ العذبْ، للنخيلِ وهي ترقصُ فرحاً بعِـذُوقِـها المُكتَنِزةِ لذّةً وأملاً بخيرٍ مستمرْ.
أيُّ نهايةٍ يمكنُ أن تُدرِكَها عقولُنا لفكرةِ الفَلجِ واهبِ الحياةْ وباعِثِ الخَصْبْ.
وأيُّ نهايةٍ تُحاولُ أن تتحسَسَها قلوبُنا لغيابِ نخلةِ ضواحيِنا وبساتينِنا وعوابيِنا، التي تُؤنسُ وحشةَ أشدِّ الجبالِ وعورةْ.
وأيُّ نهايةٍ تستطيعُ الوقوفَ أمامَ غيمةٍ أجْـذُلُـها عشقُ احتضانِ الأرضِ وتقبيلِ أديمِها بالمُزنْ.
 يا عليُّ أنتَ غيمَتُنا الحليمة، ونخلتُنا الأكيدة، وفلجُنا الكريم. لذلك ستبقى في الروحِ قبل الذاكرةْ، وستراقصُ الغيابَ لتؤكِّـدَ لنا الحضور.

قد تغادرُنا غيمتُنا الوحيدة لكنها لن تَغـدُرَ بنا
 وقد تظمأُ نخلتُنا الجليلة لكنها لن تبخَلَ علينا
 وقد تَمْحَلُ أفلاجُنا المديدةْ لكنها لن تغورَ عنا، لأنها تُدرِكُ قيمَتَها في إنسانِ هذه الأرض، ولأن هذا الإنسانَ يبادلُها التعلُقَ والوجدَ والتولُّه. تعلًّق الوليدْ، ووجدَ المُريدْ، وتولُّه العاشقْ.
ولأنك سليلُ هذا الثُلاثيِّ العظيمْ: غيمةٍ ونخلةٍ وفلجْ؛ فستبقى بيننا.
 سيبقى حُلمكَ الذي مارَسْـتَه بلا مقابلٍ ما بَـقْـيَتْ غيمةٌ تُحلِّقُ فوقَ رؤوسنا.
 وسيبقى صبركَ الذي قُـدَّ من صخرِ الألمْ ما بَـقْيَـتْ نخلةٌ مجدولةٌ بجبالِ حَجَرِنا المُهيب.
 وستبقى شجاعتكَ التي بَـثـثـتُها في أوصالِنا، في سواقيِنا وأفلاجِنا ما بَـقْـيَـتْ رَيَّانةٌ بالماءِ شاهدةٌ على العطاء.
 
السُموحةُ منك أيها الصديقُ العزيز
يبدو أني وقعتُ في فخِّ العَزاءِ من الفقدْ، الذي لا يمكنُ لابن انثى وإن طالت سلامتُه إلا ويستسلِمَ له.
جبلٌ على قلبي، وطائرٌ يتيمٌ يُغني للقمر.
لكنني، إلى هذه اللحظةِ على الأقل، ما زلتُ أؤمنُ أنكَ عصيُّ على الغيابِ يا علي.
الغيابُ يَطوي: النَكِراتْ، ذَرّاتْ الغُبارِ الصغيرةْ على رَوازِنْ مجالِسِنا المهجورة، أوراقِ الشجرِ المتساقِط في أوديتِنا السحيقةِ وسيوحِنا الشاسعة،
ويطوي كذلك الفاسدينَ واللصوصِ والأوغادِ،
ويطوي فأراً سَرَقَ من مطبخِ أيتامٍ سماً خاله طعاماً،
ويطوي وزيراً "رصف الشارعَ فأطاح به الشارعْ"،
ويطوي دكاكينَ هواتفَ بَاعَتْ الوَهْمَ للفقراءْ، وتاجَرَتْ بكلامِ المحبينَ والعشاق.
ويطوي خازناً للمالِ العامِ أَكَـلَ منه حتى غُصّ به،
ويطوي جنرالاتٍ عَذّبوا البشرَ ولاحقوا حتى حركةَ الدماءِ في الشِريان.
ويطوي الغيابُ أيضاً: أرقاماً كالرمالِ رُدِمَـت بها مدارجُ طائراتنا،
ويطوي تُجّارَ طائراتٍ خارجةٍ من الخدمة أَثْرَوْا من نومِ البلادِ واستغفالِ العبادْ،
ويطوي باعةَ شواطئِنا وحدائِق ألعابِ أطفالِنا،
ويطوي أصحابَ منتدياتٍ الكترونية توهّموا أن الوطنَ مؤسسةٌ يَسهُلُ تسويقُها والتكسّب من ورائِها، 
ويطوي الشوفينيين بعِـرْقِـهِم وأصْلِهم ووظائفِهم وأرصِدَتِهم وكُتبِهم وضجيجِهم.
ويطوي المُخبرينَ وزوّارَ الليلِ والمحققينَ في أولِ ساعاتِ الفجرْ،والحارسَ المُقنَّع الذي يقف أمامَ زنزانةِ "التعليماتِ" سيطويه الغياب،
ويطوي كذلك " المُثقـفَ " المُخاتِـلَ السائِـرَ على حبلِ "سيرك" التوازُنات،
ومن البابِ الواسعِ للغيابْ سيُطوى الوطنُ الهشُّ والإنسانُ المُستَعبدُ لذاتِ الأساسياتْ التي تكفي نملةً كسولةً في أقاصي صحرائِنا الحاضنةِ للعفةِ والأَنَـفَـةِ والكِبرياءْ.

أما أنتَ فلا أعتقدُ أن للغيابِ شُغلاً معك.
كيف سيطويك الغياب؟!
كيف سيطوي هذا الغيابُ : ريادَتَـكَ في فكرةٍ غريبةٍ ومخيفةٍ وكاشفةٍ ومعرّيةٍ كفكرةِ التدوين الالكتروني يوم كان القومُ يخافونَ الهمسَ بالإصلاح.
كيف سيطوي حِـلمَك وصَبرَك وأنت تناقشُ وتَعـرِضُ وتُشـرِف وتَـرُّدُّ على كل سؤالٍ يقصفكَ به مجهولٌ قادمٌ من فضاءِ المنتدياتِ المفتوحِ على الأحلامِ والآمالِ والشتائمِ أيضاً.
وكيف لهذا الغيابِ أن يطـوِيَ بالَـكَ الواسعَ وإضافاتكَ العميقة التي أنَرْتَ بها ليالينا الطويلةِ والمُرهقةِ في سبيلِ ميلادِ فكرةٍ سويةٍ وحُلمٍ أخضرٍ لكيانٍ مدنيِّ مستقلِّ يكونُ ملاذً مُحصَّناً للكُـتّابِ والأدباءِ والمُـشتَـغِـليِنَ على الكلمةِ من خُرَساناتِ التبعيةْ ومتوالياتِ الولاءِ والتدجينِ واللونِ الواحدْ.
 كيف سيطوي الغيابُ وقْـفَـتَـكَ في قفصِ الاتهامِ وأنت خَـصمٌ لمجلسِ الوزراءِ بقوتِه وصَـوْلَجانِه، تردُ على القاضي بصوتِك الهادئ:
"نعم نشرتُ ما نشرتُه لكي لا يُستغفلَ الناسُ أكثر من ذلك ولكي لا يُصادرَ حقُ الكلامِ في هذي البلاد".

وكيف سيطوي الغيابُ ندوة "الكلمةِ بين فضاءاتِ الحريةِ وحدودِ المساءلة" التي كُنتَ أنت مِحـوَرُها ومُـشعِـلُ فَـتيـلِها للإضاءةِ على العَـتَـمَاتِ القادمة.
وما الذي سيفعله الغيابُ مع كل طائرةٍ سَـبَـقْـتَـنا لفَحصِها وتقييمِها وترخيصِها لـتَـحْـمِـلَنا إلى احتمالاتِ طموحاتِنا وشهواتِنا وأفراحِنا ومجهولِنا اللذيذ.
وكيف لهذا الغيابِ أن يُمارسَ عادَتُـه في طَيِّ السجِّلاتِ ونبوءاتِك وتوقعاتِك وقراءاتِك الصبورةِ الصادقةِ المزخرفةِ بالأرقامِ والحقائق قد سَـبَـقَـت أحداث 2011 بعَـشْرِ سنواتٍ، على الأقل، دون أن تُثنيكَ عن ذلك: لا أشباحَ الاستهزاءِ المتناسلة، ولا الحروبِ الكلاميةِ المضادة، ولا التخوينِ، ولا التحقيقاتِ ولا الاستدعاءاتِ ولا الاستقصاداتِ التي نالتْـك في بيتِك وعملِك ومحيطِك الاجتماعي.
وكيف سيطويك الغيابُ يا علي وأنت خيرُ وأنبلُ وأدقُّ من وثّقَ ونقل المحاكماتِ التي نُصبت لأولئك الذين ساروا على طريقِـك الوعِرِ في تأكيدِ حقِّ التعبيرِ وحقِّ التجمّعِ السلميِّ وحقِّ النشرِ وحقِّ المعلومةِ وحقِّ الشَراكةِ وحقِّ الحُلمِ بوطنٍ للجميع.
كيف سيطويك الغيابُ وقلبُكَ كان واسعاً كبحـرٍ، رَقْـرَاقاً صافياً كنهـرْ!.

آآآه من قلبك يا علي، وآااه على قلبِك الذي منه كان مُصابُـنا جميعاً.

لكن ما الغرابةُ في ذلك!.
إن ما حدثَ لك أو حدث لقلبِكَ مؤخِراً يؤكِّــدُ المؤكَّــدَ أصلاً. ويسكبُ على أوجاعِنا قَـطِـرانِ الحقيقةِ الصلدْ، ذات المصيرِ الذي نفِـرُّ منه إليه: القلوبُ العامرةُ بالخيرِ ليست كالقلوبِ الخَرِبةِ لذا نقضي على الأولى سريعاً وتقضي علينا الثانية ببطئ.
هذا القلبُ الذي عاش مسكوناً بالإنسان، مهموماً بالكرامةِ والعزةِ اللتين يستحِقُهما من يعيشُ على هذه الأرض؛ هذا القلب المُعذَّبُ لأجلِ المحرومين والمظلومين لن يتوقفَ بسبب زيادةِ مناسيب الدهونْ، ولا بتيهِ مِـبْـضَـعٍ خاطئ لطبيبٍ فاشلْ، ولا بحادثٍ عبثيٍّ لسيارةٍ شاردةْ أو طائرةٍ مخطوفةْ. لا، لا أعتقد ذلك.
قلبٌ كقلبِـكَ يا صديقي توقّفَ فجأةً كما هو حَـرِيٌ بقلبِ إنسانْ، وكما هو جديرٌ بمؤمنٍ آمنَ بالمبادئِ فوق المصالح، بالمواقفِ فوق المنافع. قلبُـك، يا صديقي، طَفَحَ انشغالاً بقضايا الناس، بإشكالاتِنا المُهَمَلة وحِرماناتِنا الأساسية، أنهكه بحثُـك الدؤوب عن المعاني الأرضيةِ للعدلِ والحريةِ والمساواةْ.
قلبـُك فاضَ بالأسئلةِ المُحـيِّـرةَ التي كانت تَشغَـلُـك، تُـشعلك، تبثُها بلا كلل، وعن إصرارٍ بلا ملل، عبرَ حواراتِك ولقاءاتِك الفعليةِ منها والافتراضية:
"متى نصلُ إلى الوعي الآمن الذي لا يستغفلنا فيه أحد؟ شوف العالم وين واصلة؟! كيف تعي الناسُ حقوقَـها؟ متى تنتهي فضايحُ الفساد في بلادنا؟ لماذا لا يحترم أهل السلطة المواطنين؟ أين العدالة؟ لماذا لا نتعلم من دروس غيرنا؟ ليش نكرر نفس الاخطاء؟ ....  وغيرها الكثير الكثير من الاسئلةِ والأمثلةِ والأحلامِ يا علي.
قلبُك الذي أرهقُه السهر بانتظارِ النهارِ الذي يَكشِـفَ الفاسـدَ ويُحاسِـبُ المُستهتـرَ بمصائِرِ المساكين والغافلين.
قلبُك الذي حَمَل همومِنا المبثوثةِ في سواحِلِنا وصحاريِنا وسيوحِنا وجبالِنا وفُرَصِنا المُفوَّتة وطاقَـتِـنا المهدورة؛ هذا القلب آن له أن يرتاح الآن.
وآن لروضتِك الغاليةِ أن تفخَر بك، ويفخر بك إخوَتُها وأمها ونحن معهم.
 وآن لك أن تُـنّبِـّت نخلتَكَ العزيزةَ ليَخصُبَ الحُلـمُ وتَنبُـتُ وردةٌ على كتِفِ الجفافِ والجفاءِ والإهمالْ،ولتستمر الحياة.
 وآن لطائِركَ الذي أضناه السفرُ وهتّـكـته المقارناتُ أن ينامَ ويُـوَسِّـد رأسَه الحنان.
  وآن لك أن تجدد ميلادَكَ بالاستحمامِ في فلج دارسْ الذي رأيناه متجسداً فيكَ؛ غزارةً ودفقاً وديمومة.
 وآن لقلبِك أن يحضُنَ غيمتَه العزيزة ويُـمْطِـرُنا كلما جفّت أراضيِنا ومآقينا حباً وحُلُمًا وصبراً وشجاعة.

السلام لك يا علي والسلام عليك.
مُحبك
سعيد سلطان الهاشمي
كاتب عُماني

هنا الرابط للمقطع الخاص لهذه الكلمة من إلقاء حبيبة الهنائي:
 https://www.youtube.com/watch?v=4vsyNrGGXrs

اللقاء الأخير مع علي الزويدي بتاريخ 4 مايو 2015
https://www.youtube.com/watch?v=R_SVJ-uX3og