بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 3 فبراير 2016

ذكرياتي المدرسية بعد مضي ثلاثين عاما على الثانوية العامة الجزء -2

 الجزء (4-2)


وبما أني أخوض هذه التجربة لأول مرة مع إبني حافظ ، وكونه وحيدي وبالتالي لن أضطر ]بإذن الله[بتكرارها؛ ولهذا اقترحت على حافظ قبل ثلاثة أسابيع من بدء الإختبارات بالجلوس معا لكي ننظم سويا برنامج زمني للمذاكرة بشرط الإلتزام به. وفعلا هذا ما قمنا به ووضعنا جدول زمني تنازلي مع إعطاء كل مادة يومان إلى ثلاثة أيام للمذاكرة، وحددنا كل مادة على حسب حجمها وصعوبتها. كان جدول الإختبارات في الأسبوع الأول مضغوطا للغاية حيث تفتتح الإختبارات بمادة التربية الإسلامية وفي اليوم التالي مباشرة إمتحان اللغة العربية وبعدها راحة لمدة يوم واحد وثم إختبار في مادة الأحياء وبعدها اللغة الإنجليزية. وكل هذه المواد ما عدا الأخيرة بحاجة إلى الكثير من الحفظ.


للأسف الشديد لاحظت مع المذاكرة أن جيناتي السلبية قد إنتقلت إلى ابني حافظ، وهي الصعوبة في الحفظ. بالرغم أن اسمه حافظ لكن هذا لم يشفع له لكي لا يعاني من الصعوبة في الحفظ! وهكذا أصبح حافظ مثلي يقضي طوال يومه في المشي ثم المشي داخل البيت لساعات طويلة لكي يحفظ المواد المفروضة عليه. وبدأ بحفظ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والقصائد الشعرية ومادة الأحياء. وأصبح يذاكر لفترة تزيد عن الأربعة عشرة ساعة في اليوم حتى بدأت أشفق عليه وأدعوه في آخر الليل بالتوجه للنوم لكي ينال بعض الراحة. وكان يرقد وهو مهدود الحيل بعدما تعبت جمجمته من كثر الحفظ وجف حلقه من الترديد بصوت عال وتعبت قدماه من المشي. ولطالما تسائلت لماذا يُمنح الطالب الذي يمتلك ذاكرة قوية ونشطة نفس درجات الطالب الذي يبذل جهود مضاعفة في الحفظ لأن القدرة على الحفظ السريع نعمة لا يملكها كل طالب! 


ومن بين محاسن الصدف أن يتعلم إبني حافظ في سنواته السبعة الأولى من عمره الدراسي في مدرسة السلطان الخاصة، تلك المدرسة التي كنت أعتبرها في فترة مراهقتي كالقلعة الحصينة التي يستحيل إختراقها. لكني اضطريت لاحقا بنقله من هناك إلى مدرسة خاصة أخرى بعدما عجزت بتكبد تكاليفها الباهضة، فقد كانت الزيادة السنوية في رسومها قد تزيد أحيانا عن ثلاثمائة ريال دفعة واحدة بحيث لم تكن تتوافق مع الزيادة السنوية في الراتب الذي أحصل عليه من وظيفتي الحكومية التي قد يقتصر على عشرين ريالا فقط! 


أما من بين الأمور التي تثير دهشتي من خلال متابعتي لأسلوب التعليم الحديث، فهو حدوث الكثير من التغييرات وتوفر العديد من الإمتيازات التي يتمتع بها الطالب اليوم؛ ومن بينها وجود مساحات كبيرة من التسهيلات التي تعين الطالب على المذاكرة وعلى كسب المعرفة. في الحقيقة أغبط طلبة اليوم لتوفر كل هذه الخدمات التي لم تكن متاحة في زماننا بل ولم نكن نحلم حتى بمجرد إحتمالية وجودها في خيالنا؛ وبالتالي لا أجد اليوم مبررا مقنعا ومقبولا للفشل الدراسي وبتدني المستوى التعليمي للطالب. علما بأني سأقوم هنا بإستعراض النظام التعليمي لطلبة ثنائية اللغة (العربية والإنجليزية) بالمدارس الخاصة بسبب إلمامي بها ولكوني لا أملك معلومات كافية عن أسلوب التعليم المتبع بالمدارس الحكومية. كما أن اختبارات طلبة ثنائية اللغة تختلف عن طلبة المناهج الحكومية، حيث أن المناهج الحكومية تُدرّس موادها باللغة العربية على العكس في ثنائية اللغة حيث تطغى اللغة الإنجليزية في جميع موادها ماعدا في المواد الأساسية المشتركة وهي مادة التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الإجتماعية. كما أن مادة الرياضيات هي مادة إجبارية لجميع الطلبة في المدارس الحكومية والخاصة لكنها عكس المدارس الحكومية تدرس باللغة الإنجليزية بينما تكون مادة اللغة الإنجليزية أكثر صعوبة في مدارس ثنائية اللغة.


أما بالنسبة للمواد الفرعية فهي المواد التي تكون إختيارية ويلزم الطالب بإختيار أربعة منها، من بينها مادة تقنية المعلومات والأحياء والفيزياء والكيمياء ومادة العلوم والبيئة والأدب الإنجليزي والتاريخ وإدارة الأعمال والجغرافيا والتقنيات الحديثة بالإضافة إلى مواد المهارات الفردية التي يختبر فيها الطالب قبل موعد الإختبارات النهائية بفترة وجيزة مثل الفنون التشكيلية والمهارات الموسيقية والرياضة المدرسية واللغتين الفرنسية والألمانية. 


الملاحظ هنا وجود العديد من المواد المستحدثة التي لم تكن موجودة في زماننا مثل مادة تقنية المعلومات وإدارة الأعمال واللغات الأجنبية وغيرها. كما تقدم إختبارات بعض المواد الفرعية مثل الإختبار العملي لمادة الكيمياء الذي يطبق في المختبرات وإختبار تقنية المعلومات أمام أجهزة الحاسوب قبل موعد الإختبارات النهائية بينما يقدم الطالب الإختبار النظري لهذه المواد مع الإختبارات النهائية، بحيث تقدم جميع هذه الإختبارات بحضور مشرفين من وزارة التربية والتعليم. 


وهذه الجزئية لم تكن موجودة في زماننا حيث كان يتطلب منا في الصف الأول ثانوي (الصف العاشر) الإختيار مابين التخصص الأدبي والعلمي فقط بينما تكون جميع موادها إجبارية وليست إختيارية كما لم تكن هناك مناهج أو إختبارات خاصة لطلبة ثنائية اللغة كما كانت الإختبارات في السابق تتم في مرحلة واحدة فقط ولم تكن الإختبارات التجريبية التي تقام في منتصف العام تضاف الى النتيجة النهائية للطالب مثلما يحدث اليوم وبالتالي لم تكن هذه الإختبارات تلقي أي إهتمام يذكر من جانب غالبية الطلبة.


وللأسف الشديد يلجأ اليوم كثير من الطلبة بإختيار المواد التي تضمن لهم الحصول على الدرجة النهائية فقط مثل مواد المهارات الفردية، حيث يضمن للطالب حصوله على درجة متقدمة في هذه المادة التي سوف تساهم برفع نسبته النهائية. وليس بالضرورة يعود إختيارهم لمادة الفنون التشكيلية مثلا بسبب ميولهم لهذه المادة أو إمتلاكهم لموهبة فيها! بل وينصحون بعضهم البعض بإختيار مثل هذه المادة وتوجيههم بدفع مبالغ مالية لأحد الرسامين أو المصممين لإتمام مشروعهم السنوي! عوضا عن تشجيعهم بإختيار المواد العلمية نظرا لصعوبتها وتجنب بذل جهد مضاعف في مذاكرة مادة علمية دسمة يتكبدها الطالب بجانب المواد الإجبارية الأخرى. لذا لا جدوى بإحتساب النسبة النهائية للطالب كشرط أساسي للحصول على بعثة ما لأنه لا يفترض أن تساوي مابين طالب إختار مادة الكيمياء أو الأحياء أو الفيزياء وبين من اختار مادة المهارات الفردية كالرياضة المدرسية مثلا التي لا تتطلب بذل جهد كبير في المذاكرة بل من المفترض احتساب نسبة كل مادة على حدا وعدم دمج نتائجها لأن كل طالب يختار مواد تختلف عن الآخر.

لكن هذا لم يكن رأي حافظ مع إثنان فقط من زملاءه في الفصل. عندما قرروا بإختيار من ضمن القائمة الفرعية جميع المواد العلمية وهي مادة الأحياء والكيمياء والفيزياء وتقنية المعلومات مما أصاب بقية زملاءهم ومعلميهم بالدهشة بل وقام بعضهم بنصحهم لمحاولة إثنائهم بالتراجع عن قرارهم الذي سوف يثقل على كاهلهم جهد مضاف عند المذاكرة لكنهم تمسكوا بقرارهم ذاك وحقيقة أحييهم عليه. 


يمتلك الطالب اليوم مصادر بديلة كثيرة تعينه في البحث والفهم كلما عجز عن استيعاب درس ما. مثلا بإمكانه الإستعانة بمحرك البحث جوجل وغيرها من المواقع أو يقوم بفتح عشرات المقاطع للدروس المجانية المتوفرة في موقع اليوتيوب التي تشرح الدروس بالتفصيل الممل وفي بعض الأحيان يقول حافظ بأن ذلك الشرح كان أفضل من شرح المدرس في المدرسة. كما أنه هناك وسائل التواصل الإجتماعي التي سهلت من عملية التواصل والتقارب بين الطلبة والمعلمين من خلال إنشاء مجموعات واتسابية لطلبة الصف الواحد مع معلميهم مما سهل بإيصال إستفساراتهم حول الأسئلة الصعبة وبمتابعتها والرد عليها بشكل أسرع حتى ولو كانت في الدقائق الأخيرة قبل الدخول إلى قاعة الإمتحان. كما هناك الموقع الرسمي لوزارة التربية والتعليم الذي يوفر خدمات ومعلومات عديدة منها نماذج لأسئلة الإختبارات للأعوام السابقة. كما يباع في المكتبات كتب ومراجع بها العشرات من الأسئلة والأجوبة التي تعين الطالب في المراجعة وأحيانا تُنتقى بعض أسئلة الإختبارات بالحرف الواحد من بين هذه الكتب.


أما بالنسبة للمعلمين الخصوصي فهم الموروث التقليدي الوحيد الذي صمد حتى يومنا هذا رغم ظهور الثورة التقنية الحديثة. لكن المعلمين الخصوصي تحدوا كل ذلك وأثبتوا بقاءهم وإستمراريتهم حتى يومنا هذا بينما تمنع اللوائح بإعطاء المدرس دروسا خصوصية لطلبة مدرسته تجنبا لتعرضهم للإستغلال. ويتجمع الطلبة في منزل المدرس الخصوصي أو في بيت أحد الطلبة من كل منطقة بحيث يقدم لهم دروس خصوصية  على مجموعات تكون مابين عشرة الى أربعة عشرة طالبا وهذا العدد في إعتقادي كبير للغاية. ويطلب المدرس الخصوصي مابين عشرة إلى عشرين ريال لكل درس ويعتمد على عدد الساعات التي تستغرقها كل درس. في الحقيقة لم يطلب حافظ الإنضمام إلى قافلة طلبة المعلمين الخصوصي إلا في عامه الدراسي الأخير؛ ولقد حدد مادتي الرياضيات والفيزياء فقط رغبة منه في الحصول على نسبة عالية في هذه المادتين. بينما هناك طلبة يأخذون دروس خصوصية في غالبية المواد المدرسية وبالتالي يتحمل الوالدين عبء تكاليف الدروس الخصوصية بالإضافة إلى الرسوم للمدرسة الخاصة. 


ويقوم المدرس الخصوصي بإعداد النقاط التي يتطلب من تلامذته التركيز عليها والقيام بطباعتها. وأحيانا يكون المدرس صاحب إحدى الكتب التي تباع في المكتبات الخاصة للطلبة فيقوم ببيعها لتلامذته. كما يكون للمدرس الخصوصي مجموعته الواتسابية لمتابعة أداء تلامذته والرد على إستفساراتهم. وبصرف النظر عن التكاليف الإضافية للمدرس الخصوصي أو في المدارس الخاصة لكن من خلال مراقبتي لحافظ قبل فترة الإختبارات بفترة وجيزة وجدته لا ينفك بتصوير إستفساراته أو تسجيلها صوتيا وإرسالها إلى أساتذته وأتعجب عندما يتلقى منهم الإجابة الصوتية في وقت قياسي وهذه من بين الأمور التي تدهشني اليوم نحن القادمون من جيل التهميش عندما ألمس هذه العلاقة الوطيدة بين الطلبة وأساتذتهم وعليه أشيد بطول البال هؤلاء الأساتذة ومتابعتهم لأداء تلاميذهم أول بأول!


يُتبع ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق