بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

إقترب وقت الرحيل


 
السلام عليكم جميعاً،
لقد قمت صباح اليوم بطرح موضوع عن حرمان ابني حافظ من حقه في التنافس للحصول على منحة دراسية بالخارج لكونه لا يحمل الجنسية العُمانية. وقمت بهذا الفعل بشكل عفوي وذلك فور تلقي مكالمة هاتفية من مركز القبول الموحد بوزارة التعليم العالي. وأود هنا التوضيح بأن الرفض لم يأت من مركز القبول الموحد ولا من وزارة الداخلية ، وهي الجهة التي قامت بمخاطبة وزارة التعليم العالي. إنما الإشكالية تأتي من التشريعات والقوانين الصادرة من مجلس الوزراء والمعنية بهذا الشأن. ونتيجة لذلك حاولت قدر المستطاع تمالك أعصابي والإمتناع عن الكتابة في لحظة الانفعال والغضب ، لأن الأمر هنا يختلف كثيرا ويتعلق بمستقبل وحيدي.

البعض منا يمتلك قدرات هائلة في التعامل مع الظلم والإقصاء والتهميش، والبعض الآخر يضطر إلى ترويض الذات كونه لا يملك خيارات أخرى. لكن تكون درجة استيعابنا مختلفة عندما يتعلق الأمر بأبنائنا. كيف بمقدوري كأم مواجهة عيني وحيدي المنكسرتين بعدما بذل جهودا مضنية لأجل الحصول على نتيجة مشرفة تأهله لنيل منحة دراسية بالخارج؟! وكيف له وهو الطالب المتفوق والأول في صفه أن يتعامل مع ثرثرة زملائه في الصف الذين يتناقشون يوميا عن نوع التخصص الذي يرغبون باختياره والبلد الذي يرغبون الدراسة فيه، وهو الذي سيضطر من الآن وصاعدا إلى التزام الصمت لأنه لا يستطيع البوح لهم أنه لايستحق التنافس لأنه لا يعتبر عُمانيا؟!

إن وقع الخبر كان صادما ومؤلما بالنسبة لي كأم. فأنا وابني حافظ قد خضنا معا ظروفا قاهرة وصعبة للغاية، والحديث عنها هنا ليس في محله ولا جدوى منه. لهذا كان تفوقه الدراسي هو حلمنا نحن الإثنين ، وكان إنجازنا نحن الإثنين ، وفرحتنا الوحيدة التي كنا نعيشها معا لحظة بلحظة. لدرجة أني لم أندم أو أتردد عندما بعت قطعة الأرض النائية تلك، التي حصلت عليها من القرعة النسوية للوزير السابق خميس العلوي، التي لم أر فيها أي أمل للحياة ، لا للنبات ، ولا للحيوان ، ولا للإنسان. لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل القريب ولا البعيد! لقد بعتها ببضعة آلاف من الريالات لا تساوي أصابع اليد الواحد دون ندم، لكنها كانت كفيلة بتغطية مصاريف سنتين متتاليتين لمدرسة حافظ الخاصة. لم أبك على بيع قطعة الأرض النائية تلك إنما بكيت على رسومها الـ (641) ريالا التي تكبدتها لخزينة وزارة الإسكان عند نقل ملكيتها لي أكثر من لحظة بيعها.

لمعلوماتكم إن الرسوم الجامعية في أفضل الجامعات الألمانية لا تتجاوز خمسين ريالا فقط للفصل الواحد. وهو مبلغ ضئيل جداً ومقدور عليه، فما بالكم بمواطن ألماني وفي دولة تعاني من الشيخوخة وتبحث عن الشباب؟. ناهيكم أن يكون هذا الفتى متفوقا دراسيا.؛ بكل تأكيد سوف يلقى كل رعاية وإهتمام. إذن القضية هنا ليست في عدم توفر الفرص للدراسة الجامعية لحافظ لأنها متاحة وبدرجة كبيرة جدا. إذن قد يتساءل البعض، لماذا شعرت بكل ذلك الألم وغصة فور تلقي خبر إقصاء إبني من حقه في التنافس للدراسة الجامعية؟. القضية هنا ليست مادية بقدر رغبتي الجامحة بأن يتملكه إحساس بالإنتماء والإعتراف به من بلده عُمان كمواطن. أيضا كانت هذه المنحة هي الشيء الوحيد الذي كان يترقبه حافظ من بلده بشوق بالغ وبفارغ الصبر ، وكان يسعى بكل جهده للحصول عليه. وبالتالي كانت هذه المنحة ستربطه ببلده عُمان في سنوات شبابه الأولى. ومهما أنجز وعمل ووصل لاحقا فهو لن ينسى فضل بلده في تعليمه الجامعي. ومع هذا تم نزع هذا الحق منه للأسف !

ختاما، تنتهي إقامة إبني حافظ بتاريخ 1 يونيو 2016 ، حينها سيكمل سن الرشد (18 سنة) وهو وقت الترحيل ، وقت تهجيره ونزعه من وطنه عُمان، ولن يتمكن من دخولها إلا بتأشيرة سياحية. وللأسف سيصادف هذا التاريخ قبل موعد انتهائه من اختباراته النهائية للفصل الثاني. وقد تقدمت بطلب لتمديد إقامته لمدة ثلاثة أسابيع (21 يوما) إضافية فقط لحين إنتهائه من الاختبارات النهائية. وبعدها سنعجل بلملمة جراحنا وخيباتنا وحقائبنا ونرحل.

ولأول مرة سوف نرحل هذه المرة بهدوء وبدون ضجيج خشية أن تجبرنا الأقدار أن لا نعود.

شكرا لمن تضامن ، شكرا لمن سعى.

كن بخير يا وطني.

أم حافظ
12 إبريل
2016