يصادف السادس من أكتوبر 2026 مرور عشرة أعوام على خروجي من عُمان، وعلى تلك الخطوة الأولى التي قادتني إلى المجهول في بلاد المهجر، ألمانيا. في الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم، وطئت قدماي أرض مطار برلين للمرة الأولى، على متن الطائرة القادمة من إسطنبول، التي كانت محطتي التالية بعد بيروت، حيث قضيت ثلاثة أشهر قبل أن أواصل رحلتي نحو ألمانيا.
لم أكن يومها أعرف إلى أين ستقودني هذه الخطوة، ولا ماذا تخبئ لي السنوات القادمة. كنت أغادر عُمان وأترك خلفي حياة اعتدتها، وأتجه نحو مكان لا أعرف عنه إلا القليل. كان الرحيل يومها بداية طريق لم أكن أعرف نهايته.
عشرة أعوام مضت منذ ذلك الصباح. أقف اليوم أمام هذه الذكرى أنظر إليها بعين مختلفة. عشرة أعوام من الغربة، والانتظار، والتجارب، والخوف والصمود، تغيرت خلالها أشياء كثيرة؛ تغيّرت الأماكن، وتبدلت المشاعر، وتراكمت التجارب، وتغيرتُ أنا أيضا. تعلمت أن الغربة ليست مجرد ابتعاد عن وطن، وإنما رحلة طويلة يعيد فيها الإنسان اكتشاف نفسه، مرة بعد أخرى.
قبل شهرين، قررت أن أحجز في مثل هذا التاريخ تذكرة عودتي إلى عُمان. لكن بعد مراجعة طويلة وتفكير عميق، عدت وغيرت موعد العودة إلى الرابع من ديسمبر 2026، لأكون برفقة شقيقتي التي ستسافر إلى عُمان من جنيف لقضاء إجازتها السنوية. وبالفعل، أتممت حجزي على متن الطيران العُماني، على أن ألتقي بشقيقتي في مطار ميونيخ خلال رحلة الترانزيت، ثم نواصل السفر معًا إلى عُمان.
كنت أظن أنني قد اتخذت قراري النهائي بالعودة، وأن الأمر قد حُسم، رغم اعتراض ابني الشديد على هذا القرار. لذلك، بدأت سريعًا في التخطيط لرحلة العودة. وربما كنت بحاجة إلى بعض الوقت قبل أن أخطو تلك الخطوة الجريئة؛ فلم أكن أعرف كيف سأشعر بعد كل هذا الغياب، لأن الأمر لم يكن بهذه السهولة!
لأنه منذ أن أقدمت على هذه الخطوة، بدأت نوبات الرهاب تعود إليّ من جديد. وبدأت أقلق من كل التفاصيل؛ حتى حجم الطائرة أصبح يشغلني. تُرى، هل ستكون طائرة صغيرة؟ وهل سأصاب بنوبة رهاب بسبب ساعات السفر الطويلة؟ ووصل بي الأمر إلى أنني بدأت أبحث على الإنترنت عن نوع الطائرة التي سأستقلها يوم السفر!
ثم أخذ القلق يتسع شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت أتوجس من كل شيء. وعادت الكوابيس الليلية التي كانت قد اختفت منذ فترة، لتتكرر في منامي من جديد. وفي المقابل، كان ابني يحاول إقناعي بإعادة النظر في قرار العودة. لم يكتفِ بالكلام، بل حجز لي شقة وتذكرة سفر لأقضي فصل الشتاء في مدينتي المفضلة؛ ملقا في إسبانيا، وكأنه كان يحاول أن يفتح أمامي خيارا بديلا، أو فرصة للتراجع عن قرار بدأت أشعر بثقله أكثر مما توقعت.
ومع مرور الأسابيع، بدأت أسأل نفسي: لماذا أعود؟ ولمن؟ كان هذا السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه فتح أمامي أبوابًا كثيرة من الذكريات والهواجس. بدأت أستعيد تفاصيل كثيرة كنت أحاول تجنب التفكير فيها.
كل شيء في عُمان تقريبًا أصبح بحاجة إلى تجديد. بيتي، أشيائي، وتفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة لي كانت مهمة. كانت جزءًا من حياتي وأيام عشتها لن تعود؛ صورًا عائلية ولأشخاص وأماكن، وملابسي وذكريات احتفظت بها لسنوات طويلة لم تعد كما تركتها. حتى صوري الشخصية القديمة وأشرطة الفيديو التي توثق مراحل حملي وحياة ابني منذ ميلاده، وأرشيفي الخاص الذي كنت أحتفظ به بعناية، تحللت بفعل الحرارة داخل المخزن. كنت أتوهم أنها ستكون في انتظاري حين أعود، لكنها لن تكون هناك.
حتى وجوه كثير من البشر لم أعد أميزها؛ وجوهٌ كانت يومًا مألوفة لي، صارت غريبة، وكأن سنوات الغياب قد محَت ملامحها من ذاكرتي. عندها بدأت أواجه الحقيقة المُرّة: أنني لم أكن مستعدة بعد لهذه العودة، وربما كانت عُمان التي أشتاق إليها لم تعد موجودة إلا في ذاكرتي.
ثم سألت نفسي سؤالًا آخر: إذا كنت قد تمكنت من الصمود عشرة أعوام كاملة في أقسى الظروف، فلماذا لا أبقى فترة أطول؟ لماذا لا أمنح نفسي مزيدًا من الوقت، إلى أن يستقر ابني، ويحصل على عمل، ويجد سكنًا ملائمًا، وتصبح خطواته القادمة أكثر وضوحًا؟ الحقيقة أن ابني هو الكائن الوحيد في الكون الذي فعليا بحاجة إليّ الآن. أما في عُمان، فلم أعد أعرف مالذي ينتظرني هناك!
وهنا أدركت أن المسألة لم تعد مجرد اختيار بين ألمانيا وعُمان، أو بين الغربة والوطن. لقد تغيرت المعادلة خلال عشرة أعوام. أنا تغيرت، وابني كبر، والحياة التي تركتها في عُمان مضت هي الأخرى في طريقها، حتى الأشياء التي احتفظت بها لأعود إليها ذات يوم لم تصمد أمام الزمن والحرارة.
وربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في الغربة: أنك تظل سنوات طويلة تحلم بالعودة، وعندما تقترب لحظة العودة تكتشف أن المكان الذي كنت تريد العودة إليه لم يعد موجودًا إلا في داخلك. لهذا صرفت النظر عن خطة العودة حتى إشعار آخر، تركته مفتوحًا، ربما بعد أشهر، وربما بعد سنوات، وربما لن يأتي أصلًا. فربما أعود يومًا ما، حين تصبح العودة عودة فعلية، لا مجرد استرجاع لذكريات مضت.
أما ابني، فما زال في بداية مرحلة جديدة من حياته؛ يبحث عن عمل في أوروبا، وينهي بحث تخرجه لنيل درجة الماجستير، ويحتاج إلى قدر من الاستقرار قبل أن يمضي قدمًا نحو مستقبله.وربما كان بقائي إلى جانبه الآن هو الشيء الوحيد الذي أشعر حياله بيقينٍ ووضوح، أكثر مما أشعر به تجاه فكرة العودة.
لذلك سأبقى هنا. ليس لأنني لم أعد أحب عُمان، ولا لأن الغربة أصبحت وطنًا بديلًا، وإنما لأنني لم أعد متأكدًا أين تنتهي الغربة وأين يبدأ الوطن. بعد عشرة أعوام من الرحيل، أصبحت أعرف أن الوطن ليس دائمًا المكان الذي ولدنا فيه أو ننتمي إليه. أحيانًا نحمل الوطن معنا أينما ذهبنا، وأحيانًا نعود إليه فنكتشف أننا نحن الذين أصبحنا غرباء. كل ما أعرفه الآن أنني سأبقى هنا، إلى أن تأخذ الحياة قرارها بدلًا مني.
وربما تكون رحلة عودتي يومًا ما هي رحلة العودة الأخيرة، كما كانت رحلة الراحل نبهان الحنشي؛ ليست للعيش في عُمان، وإنما للموت هناك، طمعا في قبر مجاني، واستخراج شهادة الوفاة.
لا أحد يعرف.
أم حافظ
6 أكتوبر 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق