نقوشٌ على جدار واسعٍ

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

حضن الأمان ..


تابعتُ مؤخرًا في إحدى الصحف الأجنبية خبرًا طريفًا مفاده أن إحدى الحكومات الغربية أصدرت قرارًا بتخصيص يوم سنوي يُسمح فيه بتبادل الأحضان بين عامة الناس. وكان من الطبيعي ألا نأخذ مثل هذا الخبر على محمل الجد، بل ربما قابلناه بالدهشة أو التعجب، خاصةً كونه صادرًا عن جهة رسمية.

لكن لو تعمقنا في الأمر قليلًا، لوجدنا أن هذا القرار بلا شك لم يأتِ من فراغ، وربما سبقته دراسات جادة وعميقة كشفت عن انتشار الجفاء العاطفي، وضمور المشاعر الإنسانية، وفتور العلاقات بين أفراد المجتمع، الأمر الذي أدى إلى تراجع قيم التكافل الاجتماعي، وانعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على سلوك الأفراد وطريقة تعاملهم مع الآخرين. وقد يُعزى ذلك – ولو جزئيًا – إلى ارتفاع معدلات الانتحار والجريمة، أو تزايد نسب الطلاق في ذلك البلد.

العامل المشترك الذي يجمع بين الغني والفقير، الطفل والكبير، السياسي وسائق التاكسي، الذكر والأنثى، المزارع والسمسار، القاضي والمجرم… هو حاجتهم العميقة وغير المحدودة لجرعات من الحب والحنان، نابعة من مشاعر صادقة وقلب دافئ. وهذه المشاعر لا تُشترى بثمن؛ فكلما ازداد جفاء الإنسان وقسوته، ازدادت حاجته إلى الحب والاحتواء.

حضن الأم هو أول ما يستقبل المولود لحظة قدومه إلى الحياة، وعمق هذا الحضن هو ما يشكّل ملامح شخصية الضيف الجديد. فإذا حُرم الطفل في سنواته الأولى من هذا الحضن الدافئ والعاطفة الجياشة – لأي سبب كان؛ كوفاة الأم، أو الطلاق، أو الهجرة، أو الحرب، أو النبذ – ولم يجد بديلًا يُشبع حاجته العاطفية الملحّة، فإننا نلاحظ لاحقًا أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال، حين يكبرون، يتسمون بصفات متشابهة؛ من أبرزها الذكاء الحاد، الناتج عن صراع لا واعٍ من أجل البقاء، حيث يُوظَّف العقل أكثر من العاطفة في اتخاذ القرارات.

كما يتصف بعضهم بالتمرد والقسوة الشديدة نتيجة الحرمان العاطفي، فتراهم يميلون إلى السلوك الصدامي مع الآخرين، مدفوعين بغضبٍ دفين وألمٍ مرير. وغالبًا ما يكون أغلبهم من الذكور، إذ يعانون من الإنكار والتهرب من المواجهة العاطفية، بسبب فقدانهم القدرة على البوح والتعبير عن مشاعرهم، فينعكس ذلك على سلوكياتهم وطريقة تعاملهم مع من حولهم. فيتعمدون دفع الآخرين إلى كرههم ونبذهم، إيمانًا منهم بأنهم لا يستحقون الحب، ليبقوا في دائرة الحرمان التي خلّفها غياب حضن الأم وحنانها.

فهل يمكن قياس مفعول هذا الحضن السحري المتبادل بين البشر؟

حاول أن تعيد شريط ذاكرتك إلى تلك اللحظة، إلى ذلك الإحساس حين تحتضن صغيرك، أو والدتك، أو شخصًا عزيزًا على قلبك. تذكّر ذلك الحضن الدافئ، القادر خلال ثوانٍ معدودة على اختراق أعماقك، وإثارة مشاعر دفينة، لدرجة أنك قد تتفاجأ بدموعك تنهمر دون أن تدرك سببها.

حتى مقياس ريختر سيعجز عن استيعاب حجم الراحة النفسية، والشعور بالأمان، والاسترخاء العاطفي الذي يمنحه حضنٌ واحد. كما تعجز القياسات الفيزيائية عن تحديد الذبذبات والقوة المغناطيسية وذلك التيار الخفي القادر على محو هموم الدنيا كلها بضمة واحدة، ولو بشكل مؤقت.

كثيرٌ منا يساهم – دون وعي – في قتل مشاعر صغارنا، حين نحرمهم من لحظة “الحضن السحري”. فبمجرد أن يبلغ الطفل سن السادسة ويطلب حقه في الاحتضان، يُوبَّخ أو يُسخر منه بحجة أنه أصبح رجلًا، وعليه أن يتخلى عن تلك الحاجة الإنسانية العميقة.

بينما نحن الكبار، وقد كبرنا، نغلق أبوابنا علينا، وندفن رؤوسنا في صدور أحبّتنا، باحثين عن ذلك الحضن ذاته… دون أن نجد للاكتفاء سبيلًا. 


حبيبة الهنائي

25 ابريل 2009 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق