بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

حضن الأمان ..


تابعت مؤخرا بإحدى الصحف الأجنبية خبرا طريفا وهو قيام احدى الحكومات الغربية بإصدار قرارا بتخصيص يوم سنوي للسماح بتبادل الأحضان ما بين عامة الناس بذلك البلد! فكان من الطبيعي بأن لا نأخذ مثل هذا الخبر على محمل الجد، وربما أصابتنا الدهشة فور سماعنا له أو بالتعجب كونه صادر من جهة رسمية.


 لكن لو تعمقنا في الأمر فسوف نرى أنه بلاشك لم يأتي  هذا القرار من فراغ، وربما يكون قد سبقته دراسات جادة و عميقة مفادها انتشار نسبة الجفاء العاطفي والمشاعر اللإنسانية وفتور في العلاقات ما بين مواطني ذلك البلد مثلا ، مما نتج عنه فقدان المجتمع لكثير من معاني التكافل الاجتماعي والذي انعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على سلوكيات الفرد وطريقة تعامله مع الآخرين، وربما قد يعزى كأحد الأسباب الرئيسية لإرتفاع حالات الإنتحار والجريمة أو تزايد نسبة الطلاق في ذلك البلد.


العامل المشترك الذي يجمع ما بين الغني والفقير ،الطفل و الكبير، السياسي وسائق التاكسي ، الذكر والأنثى ، وما بين المزارع والسمسار ، القاضي والمجرم هو حاجتهم الماسة واللا محدودة لجرعات مكثفة من الحب والحنان النابع من مشاعر صادقة ومن قلب حنون. وهذه المشاعر لا يمكن شراءها بثمن , فكلما زاد من جفاء الشخص وقسوته كلما لمسنا زيادة حاجته للحب والحنان.


حضن الأم هو أول ما يستقبله المولود لحظة خروجه للحياة ، ومدى عمق هذا الحضن هو الذي سيشكل شخصية الضيف القادم الجديد. فإذا فقد الرضيع خلال سنوات نموه الأولى هذا الحضن الدافئ والعاطفة الجياشة ولأي سبب من الأسباب، كوفاة الأم مثلا أو الطلاق أو الهجرة أو الحرب أو نبذ الأم للمولود وغيرها من الصدمات العاطفية، ولم يجد أما بديلة لكي تشبع عاطفته الملحة تلك ، فسوف نلاحظ بأن معظم هؤلاء الأطفال أو الأشخاص لاحقا عند الكبر يتسمون بصفات متشابهة منها الذكاء الحاد، وهذا نابع من صراعهم اللاارادي من أجل البقاء نتيجة لتوظيف العقل أكثر من العاطفة عند اتخاذهم للقرارات.


وكذلك التمرد والقسوة الشديدة بسبب الحرمان العاطفي بحيث تجد الشخص يتصف بالسلوك الصدامي مع الآخرين نتيجة لشعورهم بغضب وألم مرير ويكون أغلبيتهم من الذكور لأنهم يعانون من الإنكار ويتهربون من المواجهات العاطفية بسبب فقدانهم القدرة في البوح عن المكنون و التعبير عن مشاعرهم فينعكس كل ذلك من خلال سلوكياتهم وكيفية تعاملهم مع الآخرين. فيتعمدون بتوجيه الآخرين لكرههم ونبذهم و النفور منهم لإيمانهم بأنهم لا يستحقون الحب. وبالتالي تجدهم دائمي البحث عن العاطفة المفقودة ما بين الأحضان من خلال تعدد العلاقات و دفع الطرف الآخر لهجرهم باستمرار لكي يبقون في عالم البؤس والحرمان الذي خلفه غياب حضن الأم وحنانها.


يا ترى هل بإمكاننا قياس درجة مفعول هذا الحضن السحري المتبادل مابين البشر؟؟


لما لا تحاول إعادة شريط ذاكرتك الى تلك اللحظة الى  ذلك الإحساس عندما تحضن صغيرك أو والدتك أو أي عزيز لديك.  تذكر ذلك الحضن الدافئ المكهرب الذي بإمكانه اختراق أعماقك خلال ثواني معدودة وإثارة  العواطف والشجون والأحاسيس الجياشة لدرجة أنك أحيانا تتفاجأ بدموعك  وهي تذرف من عينيك بدون أن تشعر بها أو أن تتمكن من تحديد أسباب نزولها.


حتى مقياس ريختر سيقف عاجزا عن استيعاب الجرعات الهائلة من الراحة النفسية والشعور بالأمان  والإحساس باسترخاء المشاعر من خلال حضن سحري واحد. كما لن تتمكن القياسات الفيزيائية كافة من تحديد الذبذبات التي تحدثها الكميات الهائلة من القوة المغناطيسية ودرجة الجريان الكهربائي الذي بإمكانه أن يمدنا حضن سحري احتوانا و مسح هموم الدنيا أجمع بضمة يتيمة واحدة.


كثير منا يساهم في قتل مشاعر صغارنا وذلك عندما نحرمهم من لحظة مفعول الحضن السحري ، فبمجرد أن يصل أبناءنا إلى سن السادسة و يطلب حقه من الحضن الدافئ ، يوبخ بل ونسخر منه على اعتبار انه قد أصبح رجلا و لابد ان يتجرد من رغبته الملحة تلك التي تتملكه !


بينما تجدنا نحن الكبار، نحن الذين قد كبرنا ندفن رؤوسنا من خلف أبوابنا المغلقة على صدور أحبابنا بدون أن نجد للإكتفاء سبيلا.
 

حبيبة الهنائي

25 ابريل 2009 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق