نقوشٌ على جدار واسعٍ

الجمعة، 20 سبتمبر 2013

صديق المراسلة .. My Pen Friend


صديقي بالمراسلة .. My Pen Friend


كنت خلال فترة مراهقتي مابين عام (1978–1984م) أعشق القراءة، لكن والدتي كانت منشغلة بتوفير الخبز أكثر من الكتب. وكنت أشتري بمصروفي الشهري المتواضع سلسلة القصص البوليسية المصرية المغامرون الخمسة، التي أحببتها إلى حد الإدمان. وفي كثير من الأحيان، كنت أتخيل نفسي أحد أبطالها وعضوًا في الفريق، وأنسج في خيالي مغامرات أكون طرفًا في حلها.


كما كنت أهوى قراءة المجلات الفنية، خصوصًا مجلة الموعد المصرية التي كانت تغطي أخبار الفنانين. وكان من الصعب عليّ استيعاب منعي من قراءة تلك المجلات، وذلك بسبب ذهابي اليومي إلى أسرة مقتدرة تقطن في الجوار، والتي كانت توفر لبناتها كل ما يرغبن من كتب ومجلات. فأصبحت أقضي معهن ساعات طويلة في تصفح تلك المجلات. كما أدمنت متابعة سلسلة روايات عبير، المترجمة من قصص عاطفية أجنبية، والتي كانت تحتوي على رسومات تصويرية، وأحيانًا تظهر فيها صورة للبطل وهو يقبّل البطلة. هذا الأمر جعل شقيقتي تشكّ بي لدى والدتي، زاعمة أنني أقرأ ما لا ينبغي، فتم منعي لاحقًا من زيارة تلك الأسرة.


وفي 28 فبراير 1979، رأى النور أول عدد لمجلة ماجد، وهي أول مجلة متخصصة للأطفال في منطقة الخليج. وكان سعرها الزهيد (200 بيسة) مناسبًا لجميع الأطفال والمراهقين، مما ساعد على انتشارها بشكل سريع. فتعلقنا كثيرًا بشخصياتها الممتعة، مثل كسلان جدًا وأخيه نشيط وفضولي، وموزة الحبوبة وأخوها رشّود، وغيرهم.


وفي نفس العام، 1979، تم تدشين البرنامج التلفزيوني افتح يا سمسم، المستوحى من النسخة الأمريكية Sesame Street، من إنتاج البرامج المشتركة لدول الخليج العربي، وشارك فيه عدد من الممثلين العرب والأطفال، وتم تعريب أسماء أبطاله، التي تشكلت على شخصيات مثل نعمان وملسون وعبلة والضفدع كامل وقرقور وكعكي وأنيس وبدر، والتي أصبحت مشهورة جدًا وحازت على متابعة واسعة في الوطن العربي.


وأيضًا، في بداية الثمانينيات، عاد جدي خميس الخروصي من زنجبار مع زوجته، وأقاما معنا، وكذلك خالتي دليلة، رحمهم الله جميعا. وكانت هاتان المرأتان تعشقان الأفلام الهندية، بينما كنا نحن في البيت نتابعها من باب الفكاهة والسخرية. وبسبب شغف هاتين المرأتين، أضيفت إلى ثقافة الأسرة عادة جديدة، وهي متابعة الأفلام الهندية،  التي كانت تبث بشكل أسبوعي في التلفزيون. ومعها كان من الطبيعي أن نقع في غرام دارميندرا والغيرة من حبيبته هيما ملّين.


أما الأشرطة الصوتية، فكانت مصدرنا الوحيد والأسرع لمتابعة أحدث الأغاني العربية والأجنبية. لكن فجأة، وبدون سابق إنذار، هلّت علينا أشرطة الفيديو المنزلية: البيتامكس ذو الحجم الصغير وVHS ذو الحجم الكبير، وكانت فرحة المراهقين لا توصف مع ظهور هذا الاكتشاف العظيم!


كانت والدتي تحكي لي كثيرًا عن أصدقاء المراسلة الذين كانت تتبادل الرسائل معهم في صباها عبر البريد التقليدي، من زنجبار إلى مختلف دول العالم. وكانت تتحسّر كثيرًا لانقطاع أخبارهم بعد تنقّلها وترحالها بين زنجبار وعُمان. عندها قررت أن أخوض التجربة نفسها، وأن أُكوّن لي صداقات عبر المراسلة البريدية.

فتحت مجلة الموعد عند صفحة «بريد الأصدقاء»، ومررت بعيني بين الأسماء المختلفة، محتارة فيمن أختار، إلى أن انتقيت اسمًا بعد تردد شديد، وقلت لنفسي: يبدو قريبًا من عمري… سأكتب إليه.

زكريا من أسوان – مصر، مرحبًا بك يا أول صديق لي بالمراسلة.


في عام 1982م أخذتُ ورقةً وقلمًا، وصغتُ رسالةً مختصرة:

«مرحبًا، اسمي حبيبة من عُمان، في الصف الأول الثانوي. أخذتُ اسمك من مجلة الموعد، وأرجو أن تقبلني صديقةً لك بالمراسلة».


أغلقتُ الرسالة وأعطيتُها لوالدتي كي ترسلها بالبريد من جهة عملها. سألتني: لمن هذه الرسالة؟ فأجبتها بحماس: لصديقي الجديد بالمراسلة! تأملتني بريبة، ثم أخذت الرسالة مني على مضض.


مرّ ذلك اليوم بشكل طبيعي؛ عدتُ من المدرسة، تناولتُ الغداء، ثم استلقيتُ بخمول في غرفتي. وكالعادة، عادت والدتي من عملها بعدي بوهلة. سمعتُ باب غرفتي يُفتح، ثم وقع خطوات تقترب، فلم أُلقِ لها بالًا. لكن، وعلى غير عادتها، وقفت والدتي أمامي تتأملني بصمت. بادلتها النظرة باستغراب، وسلّمتُ عليها، ثم سألتها: ماذا هناك؟


فتحت حقيبة يدها وأخرجت ظرفًا بريديًا وقدّمته لي. نظرتُ إليه بدهشة وتسلمته بتردد، وأنا أتساءل: ما هذا؟ قلبتُ الظرف، فرأيتُ طابع بريد مصري. رفعتُ عينيّ نحو والدتي، فابتسمت ابتسامة هادئة، وكأنها تقول لي: أفهم هذا الشعور… إنه ذلك الإحساس الذي يراودنا لحظة استلام أول رد بريدي من صديق بالمراسلة. ثم خرجت.


لم أفتح الرسالة مباشرة؛ جلستُ أتأملها وأقلّبها بين يديّ بحيرة. إذن، الأمر حقيقي! يحدث تمامًا كما قالت لي والدتي، وبإمكاننا أن نكوّن صداقات من مختلف دول العالم بهذه البساطة. حقًا، كان الأمر يسيرًا؛ لم يتطلب سوى ورقة، وقلم، وظرف كُتب عليه «بالبريد الجوي»، وطابع وختم. وها أنا، بعد أسبوعين فقط، أتلقى الرد.


ومنذ تلك اللحظة، لم يعد «زكريا» مجرد اسم مطبوع بحبر باهت على صفحة البريد في مجلة فنية، ولا شخصية وهمية مجهولة. لقد أصبح صديقًا حقيقيًا، أكتب إليه ويكتب إليّ، ويعلّق على رسائلي، وتبدأ معه حكاية مراسلة لا تُنسى.


تجاوزت مرحلة التوتر وبدأت بفتح الرسالة بحركة سريعة، حتى كدت أمزقها. ماذا يا ترى سيكون قد كتب؟ ربما قد أعجب بخطي وبجرأتي… أو ربما سيكون شخصية وقحة تجاوز في كلماته حدود الأدب، و وأمزّق الرسالة ثم أنسى أمره تمامًا. لنرى إذن!


أدرت ظهري بعيدًا عن باب الغرفة، خشية أن يدخل عليّ أحد إخوتي ويقلق خلوتي مع صديقي الجديد بالمراسلة، زكريا. تأملت الرسالة بعينين ثاقبتين، وقربتها إلى وجهي حتى كادت تلمس أنفي. ألقيت نظرة إلى خط يده المنمق، ورأيت كلمات كثيرة مكتوبة بتعبير جميل، فتعجبت من أين أتى بها، بينما أنا لم أكتب له سوى كلمات بسيطة!


حسنًا، دعنا نركز ونبدأ بقراءة الرسالة بتمعن:


“السلام عليكم يا حبيبة، لقد سعدت كثيرًا باستلام رسالتك تلك. أنا اسمي زكريا، طالب جامعي في السنة الثانية أدرس القانون في القاهرة، وأهلي من الفيوم. يا ترى، هل قمتِ بزيارة القاهرة من قبل؟ أنا لا أعلم شيئًا عن عُمان، يا ليت لو تحدثيني عنها قليلًا…”


ثم بدأ يحدثني عن حياته ويومياته، وختم رسالته بجملة:


“أتشوق للسماع منك قريبًا يا حبيبة… محبك، زكريا”


استمرت الرسائل المتبادلة بيني وبين صديقي بالمراسلة زكريا لفترة تقارب العام. خلال هذه الفترة، اعتادت والدتي على إرسال واستلام بريدنا المتبادل. عرفت من زكريا الكثير عن تفاصيل حياته: دراسته، أهله، قريته، رحلاته الجامعية وطموحاته، فقد كان من الأشخاص الذين يستمتعون بالبوح. وكانت كلماته مفعمة بالآمال والأحلام والطموحات لمستقبل جميل.


من جانبي، كنت أحدثه عن نفسي على مضض، فليس هناك مجال لمجاراة كلماته المعبّرة بأسلوبه الجميل. أرسل لي صورته الشخصية، وكان يظهر فيها واقفًا أمام جامعته، كان يرتدي بنطالًا كحليًّا وقميصًا أبيض ذا أكمام قصيرة. ولم تكن ملامحه واضحة تمامًا، لكن ذلك لم يشغلني كثيرًا، وبادلته بإرسال صورتي إليه. ودائمًا كان زكريا هو المبادر بالسؤال عني كلما أصابني الضجر أو انقطعت عن الكتابة. في الحقيقة، كان هو من يدير صداقتنا ويحرص على استمراريتها، وكنت أقلده كما تفعل طالبة ابتدائية مع معلمها.


بعد مضي العام الأول من صداقتنا، مرت عدة أشهر دون أن أستلم منه أي خطاب، ومع مرور الوقت بدأت أسأل والدتي إن كانت تراجع صندوق البريد، فأجابت بأنها تفعل. وبعد ستة أشهر دون خبر من زكريا، بدأ القلق يساورني، فكتبت له خطابًا للاطمئنان على أحواله، ولم أتلقَ أي رد. وبعد تسعة أشهر، أرسلت خطابًا آخر، وما زال دون رد.


احترت حول السبب وراء هذا الانقطاع المفاجئ، فقد لم يكن من عادته. ناقشت قلقي مع والدتي، ولم تعرف بما تنصحني. وبقي شبح اسم زكريا يظهر ويختفي من حين لآخر، إلى أن توصلت لنفسي إلى تحليل منطقي يبعد عني ذلك القلق: ربما تخرج زكريا من جامعته، وربما خطب فتاة ما أو تزوج، وربما طلبت منه خطيبته أو زوجته التوقف عن مراسلة البنات.


اطمأن قلبي بعد هذا الاستنتاج، وازال عني شبح القلق. وقررت بعدها نسيان صديقي زكريا، أو أن أتناساه، متمسكة بالذكريات الجميلة لتلك الرسائل التي كانت يومًا رابطًا صادقًا بيني وبينه.


بدأ العام الدراسي الجديد، وها أنا في المرحلة الثانوية العامة، وكعادتي أعود إلى البيت قبل والدتي. لكن يومها، تكررت ذات الخطوات القديمة المعتادة، التي كنت قد نسيتها منذ أمد، وبعد أن توقفت عن السؤال وبتأمل حقيبة يدها كلما عادت، وجدتها واقفة أمامي في الغرفة وهي تحمل رسالة في يدها. شعرت وكأن الفضول قادها هي أيضًا لمعرفة محتواها.


جلست على فراشي، وهذه المرة فتحت الرسالة بسرعة فائقة! قرأت محتواها بسرعة، وكانت مكتوبة بخط مختلف عن خطه المعتاد، وبحثت بعيناي عن والدتي التي لم أشعر بخروجها.


كانت الرسالة تقول:


“السلام عليكم يا حبيبة، أعتذر عن انقطاعي الطويل في الكتابة إليك، وذلك لظروف خارجة عن إرادتي. فقد وقع لي حادث سير أليم منذ فترة طويلة لا أستطيع تذكرها، وكنت أرقد في المستشفى في غيبوبة تامة، وانقطعت عن الجامعة والدراسة بسبب الإصابة وفقداني للذاكرة. كما أن حالتي الصحية ليست مستقرة، فادعي لي بالشفاء العاجل، وسوف أكتب إليك بأقرب وقت ممكن.

محبك، زكريا”


يا إلهي… قلبت الرسالة مرارًا وتكرارًا، آملة أن يكون قد كتب رقم هاتفه، أو اسم شخص، أو عنوان بريد بديل لأطمئن عليه من خلاله؛ ربما أحد إخوته، أصدقائه، أو أحد أفراد أسرته… لكن لا شيء!


عبّرت عن قلقي لوالدتي وزميلات المدرسة، لكل من أعرف ومن لا أعرفه. وكتبت له رسالة بعد أخرى، وأصبحت الآن أنا المبادرة، ولم أتلقَ أي رد على رسائلي العديدة والكثيرة.


في عام 1984م ، خلال الرحلة الكشفية المدرسية للقاهرة. ها أنا أزور مدينتك، القاهرة يا زكريا، وفي وقت قريب جدًا، أقرب مما تصورنا. ها أنا هائمة في شوارع مدينتك المكتظة بالبشر، ولا أعلم شيئًا عن مصيرك أو مكانك، ولا عن وسيلة للتواصل معك. لست واثقة إن كنت حيًا أم ميتًا، مقعدًا أم لازلت فاقدًا للذاكرة.


أبحث عنك وسط الوجوه الكثيرة، حتى من أمام جامعتك؛ كلما مررنا من هناك، أُمني نفسي بأن تكون معيدًا فيها، أو ربما تزوجت فعلاً وأنجبت طفلة جميلة. وقد يكون أحد هؤلاء المارة هو أنت… أم ذاك؟ وربما تكون قد انغمست في الحركة السياسية الطلابية، وتحولت إلى ثائر، وشاركت في مظاهرات جامعتك، فأعتقلتك المخابرات المصرية، وتقبع الآن في سجون مبارك، ولهذا تعجز عن الكتابة، فقد مُنع عنك الورق والقل،م داخل زنزانتك الإنفرادية، بسبب منشوراتك وخطاباتك الحماسية تلك!


آه… كم أكره النهايات المفتوحة لمثل هذه الأحداث …


لأنك تبقى حائرًا، لا تعلم فيما لو تقتل البطل أم تنسج له نهاية سعيدة!

وها أنا أتجرّع ذات المرارة التي تجرّعتها  أمي، وأعيش الآن حيرة وألم فقدان أصدقاء القلم والورق.


لكن مهلاً…

قل لي: من تكون في الحقيقة أنتَ يا زكريا، لتسكنني وتطاردني كشبحٍ بعد كل هذا العمر؟


في الواقع، أنت لست سوى ورقٍ وحبر،

فلمَ أسمح لك أن تتسبب لي بكل هذه الهواجس والحيرة؟

أنت لست سوى شخصية وهمية، اقتبستها من مجلة فنية،

لم أتحدث معك أو ألتقِ بك يومًا في حياتي، أ

وربما كانت كل كتاباتك مختلقة، وربما كنتَ كاذبًا بارعًا…


فلمَ أصبح ذكراك محيرا  ومقلقا إلى هذه الدرجة؟


خمسة وعشرون عامًا مرّت وأكثر،

وكلما طَرَأ اسمك يا زكريا

أجدني عاجزة عن حسم نهايتك،

عاجزة عن وضع نقطة النهاية،

وعن كتابة تلك الكلمة البسيطة: انتهى

 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق